لم تعد أزمات العالم العربي تُختزل في صراعات بين الدول، بل باتت تتجسد داخل الدولة نفسها، حيث تنمو وتتمدد ما يمكن تسميته بـ"الولاءات الفرعية"؛ تلك التي تتجاوز حدود الانتماء الوطني، وترتكز على أبعاد أيديولوجية أو طائفية أو ارتباطات خارجية، لتخلق واقعًا موازيًا يهدد مفهوم الدولة وسيادتها. وفي هذا السياق، يبرز المشروع الإيراني كأحد أبرز الفاعلين في إعادة تشكيل موازين القوى داخل عدد من الدول العربية، عبر أدوات غير تقليدية تقوم على بناء النفوذ من الداخل.
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم يكن خطاب "تصدير الثورة" مجرد شعار سياسي، بل تحول إلى نهج عملي قائم على تأسيس شبكات نفوذ عابرة للحدود. اعتمد هذا النهج على استثمار الانقسامات الداخلية، واستغلال لحظات الضعف التي تمر بها الدول، ليتم بناء كيانات موازية تحمل السلاح وتؤثر في القرار السياسي، بل وتنافس الدولة نفسها على وظائفها الأساسية.
في لبنان، شكّل حزب الله النموذج الأكثر وضوحًا لهذا التمدد، حيث انتقل من كونه حركة مقاومة إلى لاعب رئيسي يمتلك قوة عسكرية وتنظيمية تفوق في بعض الأحيان قدرات الدولة نفسها، ما أفرز واقع "الدولة داخل الدولة"، وأوجد اختلالًا عميقًا في توازن القرار الوطني. وفي العراق، برزت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران بعد عام 2003، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي، لتتحول لاحقًا إلى قوة مؤثرة في المشهدين الأمني والسياسي، الأمر الذي أدى إلى تآكل مفهوم السيادة وتعدد مراكز القرار.
أما في اليمن، فقد استطاع الحوثيون، بدعم واضح، فرض أنفسهم كسلطة أمر واقع، والسيطرة على العاصمة، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها الأجندات الإقليمية والدولية. وفي سوريا، لعبت الميليشيات المدعومة من إيران دورًا محوريًا في تثبيت موازين القوى على الأرض، ما جعل القرار العسكري والأمني يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الدولة الوطنية إلى حسابات خارجية.
وفي فلسطين، وبالرغم من خصوصية الحالة، فإن العلاقة بين إيران وحركة حماس تعكس جانبًا من هذا التمدد، حيث تم توظيف الدعم المالي والعسكري في سياق شبكة نفوذ أوسع، تتداخل فيها الأهداف السياسية مع الحسابات الإقليمية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول أثر ذلك على وحدة القرار الفلسطيني ومستقبله.
هذه النماذج مجتمعة تكشف أن أدوات النفوذ لم تعد تقليدية، بل تقوم على منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتسليح، والتدريب، وبناء خطاب أيديولوجي يعيد تشكيل الوعي والانتماء، بما يربط هذه الجماعات بمشروع عابر للدولة. ومع مرور الوقت، لا تكتفي هذه الكيانات بدور الوكيل، بل تتحول إلى لاعب مستقل يفرض نفسه على معادلة الحكم، ويعيد رسم ملامح الدولة وفق مصالحه.
النتيجة المباشرة لذلك هي إضعاف بنية الدولة من الداخل، عبر خلق جيوش موازية، وتفكيك المؤسسات، وتعميق الانقسامات المجتمعية، وربط القرار الوطني بإرادات خارجية. وهنا، لا يعود الحديث فقط عن نفوذ سياسي، بل عن عملية إعادة تشكيل كاملة لهوية الدولة ووظيفتها.
يبقى السؤال الجوهري: هل كان هذا المشروع في جوهره دعمًا للدول والشعوب، أم أنه مسار موازٍ يهدف إلى تكريس الهيمنة؟ الواقع يشير إلى أن ما جرى على الأرض لم يؤدِّ إلى بناء دول قوية، بل إلى إنتاج نماذج هشة، تتنازعها القوى، وتفقد قدرتها على اتخاذ قرارها السيادي بحرية.
إن أخطر ما تواجهه الدول العربية اليوم هو استمرار هذه الولاءات الفرعية التي تقف على النقيض من فكرة الدولة الوطنية. فالدولة لا يمكن أن تستقر بوجود سلاح خارج إطارها، ولا يمكن أن تنهض في ظل تعدد مراكز القرار. ومن هنا، فإن استعادة التوازن تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، ورفض أي تدخل يسعى إلى توظيف الانقسام لتحقيق مكاسب سياسية.
في النهاية، يبقى مستقبل العالم العربي مرهونًا بقدرته على تجاوز هذه المرحلة، والانتقال من واقع الميليشيات والولاءات المتعددة إلى واقع الدولة الواحدة، القادرة على حماية حدودها، وصون قرارها، وتحقيق الاستقرار لشعوبها. فحين ينتصر الولاء للوطن، تسقط كل الولاءات الأخرى، ويبدأ الطريق نحو استقرار طال انتظاره.


