في خضم الحرب الإقليمية المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يجد العراق نفسه في موقع بالغ الحساسية: ليس طرفًا معلنًا في هذه الحرب، لكنه ليس خارجها أيضًا. فالجغرافيا، وتشابك النفوذ، وتركيبة الدولة، تجعل منه ساحةً تتقاطع فوقها هذه المواجهة، أكثر من كونه لاعبًا يحدد مسارها.
ظاهريًا، يبدو الموقف العراقي واضحًا: خطاب رسمي يدعو إلى التهدئة ويرفض الانخراط في الحرب، مع تأكيد متكرر على مبدأ الحياد. لكن هذا الخطاب لا يعكس الصورة الكاملة. فالعراق، في الواقع، لا يتصرف كدولة موحدة القرار في زمن الحرب، بل ككيان مزدوج: دولة رسمية تسعى إلى النأي بالنفس، وقوى موازية تتحرك وفق حسابات تتجاوز هذا الحياد.
هذا التباين يرتبط بطبيعة التوازنات الداخلية، خصوصًا داخل المكوّن الشيعي الذي يمثل مركز الثقل في القرار السياسي والأمني. غير أن هذا المركز نفسه ليس متجانسًا، بل ينقسم إلى اتجاهين رئيسيين: اتجاه يدفع نحو ترسيخ "السيادة العراقية" والابتعاد عن محاور الصراع، واتجاه آخر يرى في الارتباط مع إيران خيارًا استراتيجيًا يصعب الفكاك منه، خصوصًا في ظل المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
هنا تتجلى معضلة الموقف العراقي بوضوح أكبر: الدولة تعلن الحياد، لكن الأرض قد تُستخدم في سياق هذه الحرب. الحكومة تسعى إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لكن فواعل داخلها أو على هامشها قد تدفع باتجاه الانخراط، سواء عبر التصعيد أو عبر فتح مساحات غير مباشرة للصراع. وبهذا المعنى، لا يكون القرار العراقي قرارًا أحاديًا، بل نتيجة توازن هش بين قوى متعارضة، لكل منها حساباتها وارتباطاتها.
هذا الواقع يفسر لماذا يظهر الموقف العراقي في كثير من الأحيان بصورة "حياد غير مكتمل": دبلوماسيًا، هناك رفض للحرب، وميدانيًا، تبقى احتمالات التورط قائمة. فالعامل الحاسم في لحظات التصعيد لا يكون فقط ما تعلنه الدولة، بل من يملك القدرة على فرض وقائع على الأرض.
أما بقية المكونات السياسية، فرغم حضورها في المشهد، فإن دورها في تحديد موقف العراق من هذه الحرب يظل محدودًا. العرب السنّة يميلون إلى الحذر وتجنب أي تصعيد، مدفوعين بتجارب سابقة جعلتهم أكثر حساسية تجاه كلفة الصراعات. في المقابل، يتمتع الكرد في كردستان العراق بهامش أوسع من الحركة، معتمدين سياسة براغماتية تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، مع ميل واضح نحو الولايات المتحدة، دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
ورغم هذا الحضور السياسي، يبقى تأثير السنّة والكرد محدودًا في لحظات الحسم، بسبب تمركز القرار الأمني بيد قوى شيعية مؤثرة، وتفوق هذه القوى في ميزان السلاح والنفوذ، إضافة إلى طبيعة النظام السياسي الذي يبدو توافقيًا في الظروف العادية، لكنه يتحول إلى موازين قوة عند الأزمات.
في المحصلة، لا يقف العراق خارج هذه الحرب، بل داخلها دون أن يملك قرار الانخراط الكامل أو الانسحاب منها. فبين خطاب رسمي يسعى إلى النأي بالنفس، وواقع ميداني تفرضه توازنات داخلية وضغوط إقليمية، يتشكل موقف عراقي ملتبس يعكس حدود الدولة أكثر مما يعكس خياراتها.
في ظل هذا المشهد، لا تبدو المشكلة في إعلان الحياد، بل في القدرة على فرضه. فالعراق، الواقع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يواجه اختبارًا يتجاوز السياسة إلى بنية الدولة نفسها: هل يستطيع أن يتحول إلى فاعل يحدد موقعه في الحرب، أم سيبقى ساحةً تُرسم أدوارها من خارجها؟ وحتى تتضح الإجابة، سيظل العراق عالقًا في منطقة رمادية بين قرارٍ يُعلن، وواقعٍ يُفرض.


