: آخر تحديث
من مضيق هرمز إلى شرق المتوسط تتحول الطاقة إلى أداة لإعادة تشكيل التبعية الأوروبية:

حين تصبح أوروبا الهدف: الطاقة كسلاح وإعادة رسم خرائط القوة

9
10
8

إنَّ فهم الحرب الحالية ضد إيران بوصفها لحظة تصعيد مفاجئة هو في حد ذاته سوء فهم لطبيعتها. ما نشهده ليس قطيعة معزولة، بل تلاقي ديناميكيات بنيوية طويلة الأمد: عسكرة طرق الطاقة، وترسيخ السيطرة على الموارد البحرية في شرق البحر المتوسط، واستمرار خضوع أوروبا داخل بنية استراتيجية عبر أطلسية لا تتحكم بها بالكامل ولا تقاومها بشكل فعّال.

إن القول بأن أوروبا أصبحت هدفًا في هذه الحرب ليس مبالغة خطابية، بل نتيجة منطقية لتكوين القوة الذي بُني عبر عقود. لقد كانت الطاقة دائمًا في قلب هذا التكوين. فمن صدمات النفط في السبعينيات من القرن الماضي إلى تأمين ممرات الشحن في الخليج تحت الهيمنة البحرية الأميركية، لم يُنظر إلى تدفق الهيدروكربونات بوصفه ضرورة اقتصادية فحسب، بل كضرورة استراتيجية تُفرض، عند الحاجة، بالقوة.

يمثل مضيق هرمز التعبير الأكثر كثافة عن هذا المنطق. فهو ليس مجرد نقطة اختناق، بل صمام ضغط داخل النظام العالمي. يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالميًا، لكن الأهم هو أن هشاشته معترف بها عالميًا. وهذا الاعتراف بحد ذاته مورد استراتيجي، إذ يسمح للفاعلين بممارسة النفوذ ليس عبر إغلاق المضيق بالكامل، بل عبر جعل استخدامه غير مؤكد. فالحرب، أو حتى التهديد الموثوق به، كافية لإعادة تسعير النظام بأكمله.

ومن هذا المنظور، يجب قراءة قرار مهاجمة إيران في ضوء نتائجه المتوقعة على هرمز. تعطّل التدفقات، وارتفاع تكاليف التأمين، وتقلب الأسواق، لم تكن آثارًا جانبية، بل كانت جزءًا من منطق التصعيد ذاته. أوروبا، بوصفها كيانًا يعتمد بنيويًا على الطاقة، تتحمل هذه الصدمات بشكل غير متناسب، لأنها تفتقر إلى عمق استراتيجي فعلي.

لكن الخليج ليس سوى نصف القصة. خلال العقدين الماضيين، ظهرت جغرافيا طاقة ثانية في شرق المتوسط، أعادت تشكيل التحالفات الإقليمية، وأدخلت طبقات جديدة من التنافس. إن اكتشاف احتياطيات غاز كبيرة، خصوصًا في حقلي ليفياثان وتمار، حوّل إسرائيل إلى فاعل طاقي محوري. وقد تزامن هذا التحول مع سعي أوروبا لإيجاد بدائل بعد تدهور علاقاتها مع روسيا، مما خلق تقاطع مصالح يبدو اقتصاديًا، لكنه في جوهره سياسي واستراتيجي.

غير أن هذا التقاطع يقوم على أساس هش. فشرق المتوسط ليس فضاءً محايدًا، بل ساحة نزاع مفتوح على السيادة والحقوق. وفي قلب هذا النزاع يقع حقل غاز غزة البحري، الذي اكتُشف عام 1999 ولم يُطوَّر حتى اليوم. وجوده ليس تفصيلًا، بل يمثل إمكانية حقيقية لاستقلال طاقي فلسطيني تم تعطيله بشكل منهجي.

إن أسباب هذا التعطيل سياسية بحتة. فالفلسطينيون لا يملكون السيطرة على الوصول البحري ولا على شروط الاستخراج. النتيجة هي سيادة معلّقة: موارد موجودة لكنها محرومة من الاستخدام. وهذا يعكس منطقًا أوسع، حيث تُدار الموارد ضمن بنية سيطرة غير متكافئة.

تأتي الحرب الحالية لتفاقم هذا الواقع. فمع تدمير غزة وتهجير سكانها، يصبح مستقبل مواردها البحرية موضع إعادة تعريف. هنا تتحول الطاقة إلى رهان صامت، غير معلن لكنه حاضر في صميم الصراع. ولا يمكن استبعاد سيناريو يتم فيه دمج هذه الموارد في منظومة إقليمية من دون أي سيطرة فلسطينية ذات معنى.

في هذا السياق، لا يمكن فهم الدور الإسرائيلي فقط من زاوية عسكرية، بل يجب قراءته كعقدة طاقة إقليمية. فحقول الغاز ليست مجرد أصول اقتصادية، بل أدوات لإعادة تشكيل التوازنات وربط الأسواق. ومن خلال شبكات التصدير والبنية التحتية، يتم دمج شرق المتوسط ضمن منظومة الطاقة الأوروبية.

غير أن ما يُقدَّم كحل لأزمة الطاقة الأوروبية ليس في الواقع سوى إعادة إنتاج للاعتماد بصيغة جديدة. فبدلًا من التحرر من التبعية، يتم نقلها من مصدر إلى آخر، ضمن إطار سياسي أكثر هشاشة.

وهنا تكمن المفارقة المركزية: أوروبا لا تعاني من نقص في الطاقة بقدر ما تعاني من موقعها داخل نظام القوة الذي يحدد شروط الوصول إليها.

إن التداعيات القانونية لهذا الواقع لا تقل خطورة. فمبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، كما أقرته الأمم المتحدة، يتعارض مع واقع حرمان الفلسطينيين من مواردهم البحرية. وهذا يفتح بابًا واسعًا للتشكيك في شرعية البنية القائمة بأكملها.

في نهاية المطاف، ما نشهده ليس مجرد حرب تقليدية، بل إعادة تشكيل لنظام الطاقة العالمي كأداة للهيمنة. أوروبا ليست خارج هذا التحول، بل في قلبه، تدفع ثمنه اقتصاديًا واستراتيجيًا، دون أن تمتلك القدرة على إعادة تعريف موقعها داخله.

توفيق الغصين كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والقانون الدولي، يركز في أعماله على تحولات النظام الدولي، واقتصاديات الطاقة، وقضايا الشرق الأوسط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.