: آخر تحديث

هل يحتاج العالم إلى روح أبقراط في السياسة لإحلال السلام؟

6
5
5

في لحظاتٍ يتقدّم فيها صوت السلاح على صوت الحكمة، ويُختزل الإنسان إلى رقمٍ في معادلات الصراع، يبدو العالم وكأنه فقد شيئًا من توازنه الأخلاقي. ليست الحروب جديدة في التاريخ، لكن الجديد هو هذا التوسّع المستمر في نطاقها، وتحوّلها إلى شبكات معقّدة تتداخل فيها الجغرافيا بالمصالح، والتحالفات بالتوترات، حتى بات المدني هو الحلقة الأضعف في كل معادلة. في هذا السياق، يبرز سؤالٌ أكثر عمقًا من مجرد تحليل سياسي: هل يمكن أن تستعيد السياسة شيئًا من روح "أبقراط" التي حكمت الطب، لتصبح أكثر التزامًا بإنسانية الإنسان؟

استدعاء أبقراط (460-370 ق.م)، مؤسس الطب اليوناني، لا يأتي من باب الاستعارة الجمالية فقط، بل من كونه رمزًا لمبدأ أخلاقي واضح: "لا ضرر ولا ضرار". الطبيب، وفق هذا التصور، لا يعالج مرضًا فحسب، بل يلتزم تجاه إنسان، حتى لو اختلفت الظروف أو تعقدت الحالات. غير أن هذا يطرح إشكالًا جوهريًا عند نقله إلى السياسة: إذا كان الطبيب يعرف مريضه، فإن السياسي يعيش في عالم تتعدد فيه الجهات والخصوم والمصالح. فمن هو "المريض" في السياسة؟ هل هو المواطن فقط، أم المجتمع ككل، أم حتى الإنسان في الطرف الآخر من الصراع؟

في الواقع، السياسة الحديثة لا تعاني من غياب القيم تمامًا، بل من غلبة منطقٍ يبرر الضرر بوصفه ضرورة. فالكثير من القرارات تُتخذ تحت عناوين كالأمن القومي أو المصلحة العليا، وهي مفاهيم يمكن الدفاع عنها نظريًا، لكنها قد تتحول في الممارسة إلى غطاء لتجاهل الكلفة الإنسانية على الطرف الآخر. هنا يظهر التوتر بين مستويين: أخلاقيات القرار داخل الدولة، وأخلاقيات أثر القرار خارجها. في الداخل، تُفرض على السياسي مسؤوليات قانونية وأخلاقية تجاه مواطنيه، بينما في الخارج، تغيب في كثير من الأحيان ضوابط مماثلة تجاه "الآخر"، الذي يُنظر إليه غالبًا كخصم مشروع لا كإنسان يتأثر بنتائج القرار.

الأحداث الجارية في الإقليم، بما تشهده من تصعيد متكرر في أكثر من ساحة، تعكس هذا الواقع المركب. فالتداخل بين جبهات متعددة، وتعدد الفاعلين، وتشابك المصالح، يجعل أي قرار عسكري أو سياسي جزءًا من سلسلة ردود أفعال متراكمة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الإنسان المدني هو الأكثر عرضة للتأثر، سواء عبر النزوح أو فقدان الأمن أو انهيار الخدمات الأساسية.

هنا تبرز إشكالية "التطبيق". فغياب سلطة عالمية ملزمة يجعل أي التزام أخلاقي في العلاقات الدولية طوعيًا بالدرجة الأولى. ومع ذلك، فإن التجربة الإنسانية لا تخلو من نماذج جزئية يمكن البناء عليها. تمامًا كما أسهمت البروتوكولات الطبية الدولية في وضع حدود أخلاقية لممارسة الطب، مثل حظر التعذيب في السياقات الطبية أو حماية كرامة المريض، يمكن للمجتمع الدولي أن يتجه تدريجيًا نحو ترسيخ "خطوط حمراء" في إدارة النزاعات: حماية المدنيين، وعدم استخدام التجويع سلاحًا، وصون المرافق الحيوية كالمياه والمستشفيات والمدارس حتى في زمن الحرب. هذه ليست مثالية حالمة، بل قواعد دنيا يمكن أن تشكل أرضية مشتركة لتخفيف المعاناة.

ولا يمكن إغفال أن فكرة الالتزام الأخلاقي في الحرب ليست غريبة عن تراثنا. فقد أوصى الخليفة أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، قادة جيشه قائلًا: "لا تخونوا ولا تغلوا ولا تمثلوا"، في إشارة واضحة إلى تقييد القوة بضوابط أخلاقية حتى في أشد لحظات الصراع. هذا المثال التاريخي يبين أن مبدأ "عدم الإضرار" ليس فكرة طارئة، بل قيمة إنسانية متجذرة عبر الثقافات.

أما الرأي العام، فهو عنصر فاعل لكنه غير مضمون النتائج. فوعي المجتمعات قد يدفع نحو التهدئة والحلول العقلانية، كما قد ينزلق في ظروف معينة إلى دعم التصعيد والانفعال. لذلك، لا يمكن التعويل عليه كضمانة أخلاقية، بل كقوة مزدوجة التأثير تحتاج بدورها إلى وعي متوازن يجنبها الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية.

في المحصلة، لا يبدو من الواقعي انتظار "أبقراط" يجلس على عرش السياسة العالمية، ويوقع القرارات باسم الأخلاق المطلقة. لكن الأهم من وجوده هو تحويل روح "لا ضرر" إلى معايير عملية تقيد الفعل السياسي: حماية المدنيين كخط أحمر، وصون البنى التحتية الحيوية، والحد من استهداف مصادر الحياة الأساسية، والسعي إلى تقليل الكلفة الإنسانية للصراعات. هذه ليست شعارات، بل ضوابط دنيا يمكن أن تضع حدًا للفوضى الأخلاقية التي تتسلل إلى عالم السياسة.

ربما لا يستطيع السياسي أن يتحول إلى طبيب للإنسانية، لكن بإمكانه، على الأقل، أن يتوقف عن أن يكون سببًا مباشرًا في تعميق جراحها. وبين هذا وذاك، تبقى "روح أبقراط" ليست حلًا نهائيًا، بل معيارًا أخلاقيًا يذكر بأن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة مصالح فحسب، بل إدارة مصير الإنسان أيضًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.