ليست كل خيانةٍ صاخبةً، ولا كل انحيازٍ للخارج يأتي بوجهٍ مكشوف، أحياناً يتسلل الخراب إلى الدولة عبر شعاراتٍ براقة، وتبقى النتيجة واحدة: وطنٌ يُستنزف، ومؤسساتٌ تُفرَّغ من هيبتها، واقتصادٌ يُنهك، فيما يُدفع المواطن إلى دفع ثمن حروبٍ لا تخصه، ولا يملك قرارها، ولا يجني منها سوى الخوف والعزلة والفقر، للأسف هذا هو المشهد العراقي اليوم بأوضح صوره، فبدلاً من أن تُصان البلاد من رياح الإقليم المشتعل، تُدفع دفعاً إلى قلب صراعٍ لا ناقة لها فيه ولا جمل، فالجماعات المسلحة والفصائل المنفلتة لا تكتفي بإطلاق الرسائل النارية باسم العراق، بل تحوّل أرضه وأجواءه ومؤسساته إلى منصاتٍ مفتوحةٍ لحروب الآخرين، وكأن الدولة لم تعد دولة، بل ساحةً خلفيةً لتصفية الحسابات وتنفيذ الأوامر والتعليمات القادمة من خارج الحدود، وفي المقدمة منها الإرادة الإيرانية التي بات أثرها في القرار الأمني والسياسي أكثر من ظاهر.
غير أن الأخطر من التوريط الخارجي هو ما يشبه الانتحار الذاتي للدولة من الداخل، فحين تُستهدف أربيل عاصمة إقليم كوردستان وبقية مدنه، ومنشآته النفطية والغازية، والمصافي، والمطارات، والفنادق، وحين تُقصف رادارات وزارة الدفاع العراقية، ويُهدَّد مطار بغداد الدولي، وتتعرض البعثات الدبلوماسية والقنصليات لمناخٍ عدائيٍ طارد، فإن الأمر لا يعود خرقاً أمنياً عابراً، بل عدواناً مباشراً على ما تبقى من صورة العراق كدولةٍ قابلةٍ للحياة والاستثمار والانفتاح، وليس غريباً بعد ذلك أن تنكمش الثقة العربية والخليجية بالعراق، وأن تتراجع شهية الحضور الدبلوماسي والاقتصادي فيه.
وفي موازاة القصف، يُمارَس شكلٌ آخر من الاستهداف لا يقل خطورة: خنق الإقليم اقتصادياً وتجاريًا، ومحاولة إيقاف نموه وازدهاره عبر إجراءاتٍ وضغوطٍ اتحادية تجعل من الخلافات المالية والنفطية وسيلة حصارٍ سياسي، وهنا تتجلى المفارقة العراقية القاسية: الإقليم يُقصف من جهة، ويُضيَّق عليه من جهةٍ أخرى، فقط لأنه ما زال يمثل مساحة استقرار وازدهار ونجاحٍ تنموي يفضح فشل قوى حولت محافظاتٍ أخرى إلى ساحات نفوذٍ وسلاحٍ وشعاراتٍ فارغة.
ورافق هذا كله تصعيدٌ إعلاميٌ محموم، غذّى الكراهية الطائفية والعنصرية ضد الإقليم ومؤسساته وقيادته، ووصل لدى بعض الأصوات إلى حد المطالبة باجتياح الإقليم، وإسقاط نظامه، وإلغاء الفيدرالية التي أقرها الدستور العراقي، وبالرغم من هذا الكم الهائل من الكراهية والعدوان السافر أظهرت قيادة الإقليم مقابل هذا السعار، قدراً لافتاً من الحكمة وضبط النفس؛ فلم تنجر إلى منطق الفعل ورد الفعل، لا في مواجهة القصف، ولا في الرد على حملات التحريض والتشويه، وكان هذا السلوك تعبيراً عن وعيٍ سياسيٍ يدرك أن المطلوب جرّ الإقليم إلى الفوضى، وأن الحكمة هنا ليست ضعفاً، بل حمايةٌ للاستقرار ومنعاً لانفجارٍ داخليٍ أشد خطراً على العراق كله.
وقد تجلت هذه الحكمة أيضاً في طريقة التعامل مع أزمة تصدير النفط، فحين حاولت الأبواق السياسية والإعلامية من أحزابٍ وأشخاصٍ تصنيع أزمةٍ مفتعلة وتقديم الإقليم بوصفه سبباً في التعطيل، جاءت مبادرة حكومة الإقليم، ممثلةً برئيسها، بالسماح لوزارة النفط الاتحادية بتصدير النفط عبر أنبوب كوردستان إلى ميناء جيهان، لتسحب الذريعة من أيدي المحرضين، وتلجم كثيراً من تلك الأصوات، وتؤكد مرةً أخرى أن من يتصرف بعقل الدولة ليس من يصرخ أكثر، بل من يقدّم مصلحة البلاد على الاستثمار في الأزمات.
وفي المقابل، يظل عجز الحكومة الاتحادية أكثر ما يبعث على القلق، لا لأنها أخفقت اليوم فقط في وقف هذا العدوان، بل لأنها عجزت منذ سنواتٍ عن اتخاذ أي إجراءٍ حاسمٍ يردع المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون التي اعتادت استهداف الإقليم ومطاراته ومنشآته ومقدراته الاقتصادية، وهكذا لم تعد المشكلة في ضعف بيانات الشجب، بل في غياب إرادة الدولة نفسها، وفي عجزها عن حماية أحد مكوناتها الدستورية من عدوانٍ متواصل، وما يجرح العراق اليوم ليس خصمه الخارجي وحده، بل ذلك الداخل الذي يأكل من خيره، ثم يدفعه إلى حروب الآخرين، ويخنق أكثر أجزائه استقراراً واعتدالاً ونجاحاً.


