: آخر تحديث

العيد بين زمن القلوب وزمن الشاشات

2
3
3

حين يقترب العيد، لا يطرق أبواب البيوت وحدها، بل يطرق أبواب الذاكرة أيضًا. فيوقظ في القلب صورًا قديمةً، ويعيد ترتيب لحظاتٍ مضت، كأن الزمن يفتح صندوقًا من الحنين ليُخرج منه تفاصيل الأيام الجميلة. فالعيد في حقيقته ليس مجرد يومٍ يجيء بعد رمضان، بل هو فصلٌ من فصول الشعور الإنساني، تتلاقى فيه الروح مع الذكرى، ويلتقي فيه الحاضر بالماضي في مساحةٍ واحدة من الفرح.

وكان العيد في الأمس بسيط الملامح، لكنه عميق الأثر. كانت الحياة أقل صخبًا، وأقرب إلى القلب. لم تكن مظاهر الفرح كثيرة، لكن معانيه كانت واسعة كسماءٍ صافية. فقد كانت البيوت تستقبل العيد بروحٍ مختلفة، الأمهات ينشغلن بإعداد ما تيسر من الحلوى، والآباء يتهيؤون لصلاة الفجر والعيد، والأطفال يعيشون ساعات الانتظار بلهفةٍ لا تشبهها لهفة أخرى.

وكان الليل الذي يسبق العيد يحمل طعمًا خاصًا، ليلةٌ تتردد فيها التكبيرات في الأزقة القديمة، وتغفو البيوت على نغمة الفرح القادم. وفي الصباح الباكر تمضي الجموع نحو المصليات، كأن المدينة كلها خرجت في موكبٍ من الطمأنينة. فهناك تتصافح الأيدي، وتتلاقى الوجوه، وتُقال كلمات التهنئة بصدقٍ لا يحتاج إلى تكلّف.

ثم تبدأ زيارات العيد، وهي واحدة من أجمل طقوسه في الذاكرة. فأبوابٌ تُفتح بلا موعد، وقلوبٌ تستقبل الزائرين قبل أن تصل خطواتهم إلى العتبة. حيث يجلس الكبار يتبادلون الحديث، ويجري الأطفال في الساحات بفرحٍ لا يعرف حدودًا، بينما تتنقل العيديات الصغيرة بين الأيدي، لكنها في الحقيقة كانت أكبر من قيمتها بكثير، حيث كانت رمزًا لفرحةٍ لا تُشترى.

ومع مرور السنوات تغيّرت ملامح الحياة، فدخلت التقنية إلى تفاصيل الأيام، واتسعت المدن، وتسارعت الخطوات. فأصبح العيد اليوم أكثر تنظيمًا، وربما أكثر صخبًا، لكن شيئًا من هدوء الأمس بقي حاضرًا في أعماق الشعور.

فصارت التهاني تُرسل عبر الشاشات، وتراجعت بعض العادات القديمة، غير أن جوهر العيد ظل ثابتًا، كجذع نخلةٍ عتيقةٍ تقاوم تغير الفصول. فما زال صوت التكبير في صباح العيد قادرًا على أن يوقظ في القلب تلك الطمأنينة القديمة، وما زال اجتماع الأسرة حول مائدةٍ واحدةٍ يختصر معنى العيد كله.

وفي كل عيدٍ جديد، نتذكر أرواحًا لا تُعوَّض رحلت عنا، وجوهًا كانت تشاركنا الضحكة والمائدة والدعاء، ثم غابت وبقي حضورها في الذاكرة أعمق من الغياب. فالعيد يوقظ الحنين كما يوقظ الفرح، ويجعلنا نُدرك أن بعض المقاعد حول موائدنا صارت خالية، لكنها ما زالت مملوءةً بالذكرى والدعاء.

والحقيقة أن الفرق بين عيد الأمس وعيد اليوم ليس في القيمة، بل في الإطار الذي يحيط به. فالمعنى الحقيقي للعيد لا يتغير، إنه لحظةٌ إنسانيةٌ تتصالح فيها القلوب، وتُغسل فيها الذاكرة من غبار الأيام، ويشعر الإنسان أن للحياة جانبًا آخر من الصفاء.

فالعيد في جوهره وعدٌ متجدد بأن الفرح لا يغيب طويلًا، وأن الروح البشرية قادرة دائمًا على استعادة بهجتها مهما أثقلتها الأيام. ولهذا تبقى أيام العيد أشبه بجسرٍ يربط بين ما كان وما هو كائن، بين طفولةٍ مضت وحياةٍ تمضي.

وهكذا يظل العيد، مهما تبدلت الأزمنة، ضيفًا كريمًا يأتي كل عام ليذكرنا بأن أجمل ما في الحياة ليس كثرة الأشياء، بل دفء القلوب التي نلتقيها، وصدق اللحظات التي نصنعها معًا.

فالعيد في الماضي كما في اليوم هو الحكاية نفسها، لكن الزمن يرويها في كل عام بصوتٍ مختلف، ويبقى المعنى واحدًا، بأن الفرح حين يسكن القلب يصبح الزمن كله عيدًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.