أعلنت السلطات العراقية توقف تدفقات الغاز الإيراني "بشكل كامل" إلى محطاتها الكهربائية، نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، ما تسبب بخروج نحو 3100 ميغاواط عن الخدمة. لم يكن هذا مجرد حدثٍ تقنيٍ عابر، بل لحظةً صادمةً كشفت ما كان يُخفى لسنوات: دولةٌ غنيةٌ بالطاقة تقف في العتمة لأن قرارها الاستراتيجي ليس بيدها.
خلال ساعاتٍ قليلة، عادت الانقطاعات لتبتلع صبر المواطنين، وخسر العراق ما يقارب 4000 إلى 4500 ميغاواط، لتتأكد مرةً أخرى أن الكهرباء في البلاد تُدار كملفٍ طارئٍ لا كقضيةٍ سيادية. أكثر من 80 مليار دولار صُرفت على هذا القطاع منذ عام 2003، بحسب تقديراتٍ رسميةٍ وتقارير رقابية، لكن الواقع بقي ثابتًا: لا خطة، ولا إرادة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة. بلدٌ يحرق أكثر من 17 مليار مترٍ مكعبٍ من الغاز سنويًا، ثم يمد يده ليستورده من الخارج، أي مفارقةٍ أقسى من هذه؟
الخبر الأخير يعيد التأكيد على حقيقةٍ أساسية: العراق لا يفتقر إلى الموارد، بل يفتقر إلى القرار. نحو 40 بالمئة من الغاز المستخدم لتشغيل محطات الكهرباء يأتي من الخارج، ومع كل أزمةٍ سياسيةٍ أو تقنية، ينخفض الإنتاج فجأةً، وكأن الدولة تعمل على "جهاز تنفس اصطناعي"، يختنق بمجرد توقف الغاز المستورد.
وسط هذا الظلام، يبرز حلٌ موجودٌ ومتوفرٌ داخل حدود العراق: إقليم كوردستان. الإقليم استثمر خلال السنوات الماضية في الغاز، وطوّر محطاتٍ تعتمد عليه بشكلٍ أساسي، ونجح في تحقيق قدرٍ من الاستقرار النسبي في الكهرباء. تشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن الإقليم يمتلك احتياطياتٍ ضخمةً من الغاز، مع مشاريع تطويرية يمكن أن ترفع قدرته الإنتاجية تدريجيًا لتغذية جزءٍ مهمٍ من السوق العراقية.
لكن بدلاً من استغلال هذا الحل كفرصةٍ وطنيةٍ لتقليل الاعتماد على الخارج، جرى التعامل معه بعقلية الصراع السياسي. هجماتٌ بطائراتٍ مسيّرةٍ على مواقع الطاقة في الإقليم خلال فتراتٍ سابقة عطّلت إنتاجًا يُقدّر بآلاف الميغاواط، وتزامنت مع حملاتٍ إعلاميةٍ مشحونة، وكأن المشكلة ليست في انقطاع الكهرباء، بل في من يقدم الحل.
الواقع المؤلم هو أن العراق لا يخسر فقط طاقة، بل يخسر فرصًا. كل ميغاواطٍ ضائعٍ بسبب الخلافات السياسية هو انعكاسٌ لفشلٍ أعمق: فشلٌ في رؤية المصلحة الوطنية خارج حسابات النفوذ، وفشلٌ في إدارة ثروات البلاد بشكلٍ مستدام.
اليوم، لم يعد المواطن يسأل عن الأسباب، بل عن النهاية: إلى متى سيبقى بلدٌ غنيٌ بالنفط والغاز عاجزًا عن تشغيل مصابيحه؟ إلى متى ستبقى الكهرباء رهينة قرارٍ خارج الحدود؟
المشكلة لم تعد تقنية، ولم تعد مالية، المشكلة قرار.
قرارٌ بأن يستثمر العراق غازه بدل حرقه،
قرارٌ بأن يبني محطاته بدل استيراد أزماته،
قرارٌ بأن يرى في إقليم كوردستان شريكًا لا خصمًا في معركة الطاقة الوطنية.
فالظلام لم يعد مجرد انقطاع كهرباء، بل أصبح عنوانًا لفشل دولةٍ لم تحسم بعد: هل تريد أن تكون مستقلةً في قرارها الطاقي، أم تبقى معلّقةً بخيط الآخرين؟


