لم يمت الوحش بل تنكّر؛ تناثرت أوصاله تحت ضربات التحالف الدولي، انهارت خلافته المزعومة، وتمزقت راياته، لكنه لم يُدفن!
بعد سنوات من الحديث عن نهاية داعش تتكشف المعطيات واحدة تلو الأخرى لتشير إلى عودة التنظيم من بوابة (الظلّ) من الفوضى التي ما تزال تضرب مناطق في سوريا والعراق، ومن جيوب مهملة في الجغرافيا، تحوّلت إلى حواضن سرّية لإحياء الفكرة. عودةٌ ليست درامية كما كانت انطلاقته الأولى، لكنها أكثر خفاءً، وأكثر دهاءً، وربما أكثر فتكًا.
المؤشرات على عودة (داعش) ليست مجرد تهويل أمني أو دعاية سياسية. فبحسب تقرير أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في كانون الأول (ديسمبر) 2024، فإنَّ داعش نفذ أكثر من 190 هجوماً في العراق وسوريا خلال عام واحد فقط، معظمها بأسلوب الكرّ والفرّ، معتمداً على عبوات ناسفة وكمائن استنزافية ضد قوات الأمن والمدنيين ، ويضيف التقرير أن التحول من السيطرة إلى التمرد لا يعني الضعف بل التحوّل إلى تكتيك جديد يعكس قدرة على التكيّف مع المتغيرات.
في العراق، تتكشّف خطورة التنظيم من خلال عملياته في محافظات مثل ديالى وصلاح الدين وكركوك والأنبار. ففي شباط (فبراير) 2025، أعلنت خلية الإعلام الأمني عن مقتل وإصابة عدد من الجنود العراقيين في كمين نفذته خلايا داعش في جبال حمرين ، اللافت أن هذه المناطق، رغم العمليات العسكرية الواسعة فيها، ما زالت عصيّة على (التطهير) لأنها ببساطة لم تُدار استخبارياً كما يجب، ولأن تنظيم داعش أعاد تنظيم صفوفه هناك تحت غطاء العشائر، والفراغ الأمني، وضعف التنسيق بين الأجهزة.
إقرأ أيضاً: العباءة الممزقة: من سيرث القاعدة في زمن التصدع؟
أما في سوريا، فقد أعلنت قوات (قسد) في كانون الثاني (يناير) الماضي عن مقتل 6 من عناصرها في هجوم مباغت شنه مقاتلو داعش في ريف دير الزور. هذه المنطقة بالذات كانت مسرحاً لمعارك طاحنة في 2019، انتهت بإعلان النصر على التنظيم. لكن يبدو أن النصر كان على الأطلال، فيما بُذرت البذور مجدداً بين المدنيين، في مخيم الهول، وفي البادية الممتدة من تدمر إلى حدود العراق. المخيم تحديداً، يُعرف اليوم بـ(الجامعة الفكرية الداعشية) حيث يتربّى الأطفال على أفكار التنظيم، وتُمارس النساء المتشددات سلطة خفية تهيئ للجيل الجديد من المقاتلين.
الخطير في العودة الجديدة أنها تتغذى على الفوضى السياسية وتآكل الثقة بين المجتمعات المحلية والحكومات. في العراق، يشعر كثير من سكان المناطق التي شهدت وجود داعش سابقاً بالإهمال والتهميش، ويخشون الانتقام الطائفي أو الغياب التام للخدمات. هذا المناخ هو الحاضن الطبيعي للتمرد. وفي سوريا، حيث الصراع متعدد الأطراف، وغياب حلّ سياسي حقيقي توافقي ، تُصبح الأرض مفتوحة لمن يمتلك القدرة على التنظيم، حتى لو كان هذا التنظيم إرهابياً.
إقرأ أيضاً: أقدام اليمنيين تمشي فوق قبور مؤجلة
التنظيم أيضاً أعاد بناء شبكاته المالية بشكل جزئي. بحسب تقرير لوكالة رويترز نُشر في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، فإن “داعش يحتفظ بأرصدة نقدية تقدر بنحو 25 مليون دولار، يديرها عبر عمليات تهريب النفط، والخطف مقابل الفدية، والاستثمارات الصغيرة في مناطق غير خاضعة لرقابة مركزية وتحديداً في مناطق صحراوية بين العراق وسوريا، يُعاد تدوير الأموال والمقاتلين والبروباغندا.
على مستوى القيادة، فقد قُتل أغلب قادة الصف الأول، لكن القيادة لم تُشلّ. ففي منتصف 2024، أعلنت واشنطن عن مقتل (أبو الحسن القرشي) إلا أن التنظيم أعلن لاحقاً عن قائد جديد يُلقب بـ (أبو حفص الحسيني) ، وهو شخصية غامضة يُعتقد أنها تمتلك جذوراً أمنية عميقة، وخبرة طويلة في التنظيمات الجهادية العابرة للحدود. بقاء التنظيم على قيد الحياة رغم الضربات القيادية يشير إلى وجود منظومة قيادة بديلة قادرة على التكيّف، وتمرير الأوامر وتنظيم العمليات.
السؤال المحوري: لماذا يعود داعش الآن؟ الجواب يكمن في عدة مستويات
أولاً: تآكل الزخم الدولي: انسحاب القوات الأمريكية من مناطق واسعة في سوريا، وتراجع أولويات التحالف الدولي، أعطى التنظيم مساحة أكبر للمناورة.
ثانياً: غياب الحلول السياسية التوافقية : لا في العراق ولا في سوريا توجد عملية سياسية توافقية بشكل كامل تُنهي البيئة المنتجة للتطرف.
ثالثاً: الصراعات الإقليمية: التوتر بين القوى الإقليمية، خصوصاً تركيا وإيران، يُستخدم أحياناً لتبرير غضّ الطرف عن تحركات متطرفة هنا وهناك.
رابعاً: الجيل الجديد من المقاتلين: لم يعد داعش بحاجة لأجانب، بل يراهن على أبناء المناطق الذين ترعرعوا في ظل الحرب والدمار والخذلان.
إقرأ أيضاً: سَحَرَةُ الظِلّ: جمهورية الطلاسم الحوثية
عودة داعش لا تشبه بدايته. هو اليوم أكثر مرونة، أقل ظهوراً وضحيجاً، لكنه يحتفظ بنفس العقيدة، ونفس الرغبة بالتمدد. لم يعد يحكم مدناً، لكنه يهدد أمن مناطق بأكملها من خلال أسلوب الذئاب المنفردة ، والخلايا النائمة، وضربات الترويع المحدودة زمناً، العميقة أثراً
في آذار (مارس) 2025، نُفذت عملية اغتيال لقائد أمني في الموصل عبر عبوة ناسفة وُضعت في سيارة، العملية حملت بصمات داعش ، لكنها لم تُعلن رسمياً ، لأن التنظيم اليوم يعرف أن البقاء في الظل أكثر فاعلية من الصراخ الإعلامي.
المؤشرات لا تتوقف هنا. في أوروبا، نشرت أجهزة الاستخبارات الفرنسية تقريراً يحذر من عودة ظهور الشبكات المرتبطة بـ”داعش” داخل فرنسا وبلجيكا، مستفيدة من الفوضى في الشرق الأوسط، والموجات الجديدة من الهجرة غير المنظمة. لقد تحوّل التنظيم إلى فكرة متنقلة، غير مرتبطة بالجغرافيا، بل بالتوترات والهشاشة الاجتماعية أينما وُجدت.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر: داعش لم يعد (دولة)، لكنه ظلّها، لم يعد مدينة، لكنه حاضر في الأزقة المنسية، لم يعد يظهر أمام الكاميرا، لكنه يُدير الكواليس.
إن العودة الصامتة التي نشهدها الآن هي مقدمة لتحول نوعي في أداء التنظيم. فبدلاً من الغزوات العلنية، سيلجأ إلى الحروب النفسية، والضربات الموجعة، وعمليات التخريب الرمزي. إنه زمن الذئب الرمادي، لا الأسد الأسود.
في النهاية، من يظن أن داعش انتهى، لم يفهم بعد أن الأفكار لا تُقتل بالقنابل ، وأن الوحش الذي يُهزم بالسيف، قد يعود من بين الرماد، بهيئة دخان، لا يُمسك ولا يُرى، لكنه يخنق الجميع.
الوحش لم يمت… لقد تغيّر شكله فقط.