: آخر تحديث

تقارير السجن الكبير

56
54
57
مواضيع ذات صلة

"سوريا نموذج ممتاز عن الجحيم الذي أرعب الخيال اللاهوتي للقدماء"

عادةً لا يجد الكثير منا المتعة في قراءة التقارير سواء كانت تقارير طبية أم مالية أم سياسية أم حقوقية، وهذا الأمر لا يعني عدم أهمية التقارير، إنما يأتي في إطار الإشارة إلى الطبيعة الجافة للتقارير التي لا تمنح قارئها أي متعة بالرغم من قيمة ما يأتي في سياق المواد التوثيقية والمعلومات التي تحتويها.

وبالرغم من أن الإحساس بجفاف تلك التقارير ينتاب من يقاربها، إلاّ أن على الباحث عن المعلومة والمعني بمصداقيتها، وعلى المطالَب بأن تكون استشهاداته منسوبة لجهة رسمية أو معلومة أو محط ثقة، وعلى من كان مدعواً لتحري الدقة فيما يورده أو يعتمد عليه، أن يعود إلى التقارير من حين لآخر مهما كان اسلوب بعضها في التدوين متعباً أو قريباً من حالة المضي في الشعاب الضيقة من زحمة وكثافة ما جاء فيها.

ولكن للأمانة شعرتُ بنوعٍ من الرضى والجاذبية في تقريرين حقوقيين من التقارير الدورية الصادرة عن وضع السوريين مؤخراً، أولهم بسبب الشكل الفني الجميل، والمناسيب الهندسية المتفاوتة، وطريقته الإبداعية في إخراج الأعمدة والزوايا والفقرات بشكل راقي، إضافة إلى المحتوى طبعاً، وكان التقرير لـ: "وصول" الذي يصدره مركز "وصول" لحقوق الإنسان، ويتحدث التقرير المذكور عن واقع اللاجئين السوريين بلبنان في الوقت الذي ارتفعت فيه الانتهاكات الجسيمة بحقّهم.

ومع تقديرنا لمكابدات الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمرصد السوري لحقوق الإنسان وجهودهما المستمرة في توثيق الانتهاكات في سورية، إلاّ أن التقرير الثاني الذي رأيتُ فيه كمتلقي ما لم أعثر عليه  منذ شهور في العشرات من التقارير الصادرة عن المؤسسات السورية في الداخل أو المحسوبة على إحدى السلطات في الداخل السوري، هو ليس متعلق بتوثيقات الشبكة والمرصد هذه المرة، إنما متعلق بما ورد في التقرير السنوي لحصيلة الانتهاكات المرتكبة ضد الإعلام في سوريا خلال عام 2021، الذي أصدره المركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين السوريين منتصف الشهر الحالي، وقد جاء فيه موقف جدير بالتأمل، ووردت في سياقه كلمات جديدة، وعبارات غير مطروقة كعادة الجمل المكررة في الكثير من التقارير، كالقول مثلاً: إن الانتهاكات التي وثقها التقرير خلال عام 2021 "تجعل من وصف سوريا بأنها سجن الصحافة الكبير الذي يتعدَّد فيه السجانون وصفاً واقعياً"، مؤكداً أن "كل الجهات التي بسطت نفوذها على أيٍّ من مناطق الجغرافيا السورية في طريقة تعاملها مع الحالة الإعلامية تشبه بعضها"، وتبقى الفقرة الأكثر أهمية في التقرير بتصوري هي هذه: "الجميع يسعى لاحتكار الإعلام وتجنيده ليكون أداة يكرس بواسطتها استبداده"، مشيراً إلى أن في سوريا لا يوجد شيء اسمه حرية تعبير، ولا فيها ظروف تناسب العمل المهني، ولا فيها شيء من الأمان، إنها بعبارة أوضح وبالخط العريض "سجن كبير للصحافة".

ولا شك أن البلد الذي يكون بمثابة سجن كبير لوسائل الإعلام فسيكون ألعن وأقبح وأردأ سجن بالنسبة للمواطن العادي الذي لا يمتلك سلاحاً بيده ليحمي نفسه به، ولا كاميرا يحملها ليهدِّد بها من يعتدي عليه، ولا له سند سلطوي من الجهات المتحكمة برقاب البشر على طول البلد وعرضه ـ بدون أي استثناء ـ ليكون بفضله محافظاً على كرامته، وحيث أن لسعات جحيم الأجهزة الأمنية القميئة في البلد الموبوء بالتسلط تطال المواطن المسالم في كل مكان من الجغرافيا السورية.

فالتقرير حقيقةً كان سباقاً في تعرية الأطراف كافة بدون محاباة هذه الجهة أو تلك، والتكلم بالفم الملآن عن أن مناطق النفوذ السورية سواسية في الانتهاكات، سواسية في النتانة، سواسية في الفساد، سواسية في فجاجة التعامل اليومي مع الأفراد، وأنه ما من سلطة أفضل من غيرها في عموم سوريا، ولم يلجأ معدو التقرير إلى تبرئة طرف مقابل اتهام آخر، ولا فضح انتهاكات جهة وبالمقابل التعتيم على انتهاكات جهة أخرى، كما هو حال التقارير الصادرة عن مؤسسات نظام الأسد وكذلك التقارير الصادرة عن مركز "عدل" لحقوق الإنسان المقرب من الإدارة الذاتية، الذي يسرد كل شاردة وواردة عن الانتهاكات التي تجري في مناطق النظام من قبل الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للنظام، وكذلك الأمر يحكي بالتفصيل عن انتهاكات الكتائب في مناطق النفوذ التركي، ولكن من دون ذكر ولو شيء ضئيل يخص الانتهاكات التي تحصل في مناطق الإدارة الذاتية من قبل الأسايش وشبيحة الشبيبة الثورية؛ والحال نفسه مع مديرية توثيق الانتهاكات في الحكومة السورية المؤقتة التي  تصدر تقارير شهرية عن الانتهاكات، ولكن يبدو أنه وفق منطق مَن يصدر تلك التقارير أن الانتهاك هو فقط ذلك المتعلق بالقصف الذي يطال الشمال السوري، أما الاعتقال من قبل الكتائب والأمنيات المنتشرة كالفطر في القرى والبلدات في الشمال السوري إضافة إلى وضع اليد بالقوة على ممتلكات الأهالي والسلب والنهب والسطو والضرب والاعتداء على الناس لأتفه سبب لا يدخل في قاموس الانتهاك لديهم!! وهذه المديرية للأسف مثلها مثل مؤسسات النظام ومؤسساتPYD  ترى كل ما هو سيء لدى الأطراف الأخرى بينما مناطق نفوذها ترسمها في مخيال الغريب وكأنها جنات عدن، علماً أنه عدا عن التقارير الحقوقية فشهادات عشرات الأشخاص تؤكد بأن تلك المناطق من الناحية الأمنية أسوأ بكثير من المناطق الأخرى الثلاث أي مناطق نفوذ (النظام، PYD، وهيئة تحرير الشام).

أما حيال مُنتَج "وصول" فعدا عن الجانب الشكلي الجذاب للتقرير، فالمهم فيه هو جرأة القائمين عليه في الحديث عما يعاني منه اللاجئين السوريين في لبنان، وما يتعرضون له من مضايقات من قبل هذه الجهة أو تلك، وذلك بالتطرق إلى الموضوع بجرأة من دون خوف، ومن دون اللجوء الى المداورة، ومن دون تحميل طرف على حساب غيره أو استثناء أي جهة من تحمل تبعات النتانة وإلصاق القرف بجهة معينة، كما هو حال التقارير الصادرة عن المؤسسات التابعة لمناطق النفوذ الأربعة في سورية أو من يتبعونهم في الخارج أو يعملون على تبييض صفحة جهة ما مقابل تقبيح صورة الجهات الأخرى؛ كما أن مركز وصول لو فكّر بمنطق المنظمات التابعة للسلطات السورية كافة لامتنع عن نشر التقرير حرصاً على سمعة لبنان بما أن معديه لبنانيون، إلاَّ أن معدي التقرير اللبناني أكبر من أن يتصرفوا كالتوابع في المنظمات السورية الذين يشبهون أعضاء الأحزاب السياسية الشمولية بكامل عللهم، ولا يشبهون قط المتطوعين في المنظمات الحقوقية التي لديها الإنسان والدفاع عن حقوقه أبدى من الأحزاب والعشائر والمذاهب والقوميات والأديان.

وبما أننا ما نزال نتحدث عن المنظمات المسماة بالحقوقية والتي تدَّعي بأنها تتبنى ما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مواقعها، فهل هناك احتمال بأن ترتقي جهة منهم وتصل إلى سوية منظمة حقوقية حقيقية في التحدث عن انتهاكات المنطقة التي فيها المنظمة قبل غيرها، أم أن عشر سنوات من عمر الثورة والخراب والدمار لم يخلص المنظمات السورية ومن ورائهم السوريين الذين يديرون تلك البقاليات بالتخلص من عقدة أنا جيد وتام الخلقة، بينما الذين هناك فقط هم السيؤون، وإذا ما بقيت عقليتهم على ما هي عليه بعد كم قرن يا ترى بإمكانهم الوصول إلى ألف باء الديباجة العالمية لحقوق الإنسان؟

وبخصوص السجن السوري باختلاف سجّانيه، يبقى أن الفرق الكبير بين السجون والمعتقلات التقليدية وسجون الحكمداريات في سورية هو أن المواطن في السجون العادية على علم بما يجري له وما يجري للناس الذين حوله في السجن الذي هو فيه، ولكنه لا يعلم أي شيء عن السجون الأخرى البعيدة عنه، بينما المفارقة هي أن الكائن البشري في السجن السوري الكبير يعلم  بكل ما يجري في السجون الأخرى البعيدة عنه، ولكنه لا يعلم شيء عن السجن الذي هو فيه، وهنا فانتازيا الواقع السوري، وهي قائمة على رؤية البعيد بدقة متناهية بينما يغدو المحدِّق أعمى حيال رؤية القريب مهما بلغ حجم خرابه، إذ أن كل من الإدارات المفروضة على الناس في عموم سورية تعرف كل شاردة وواردة فيما يخص عيوب ومقابح ومثالب ووضاعات وقذارات السجن الذي في الجوار أو البعيد عنه، ولكنه غير قادر على رؤية كل تلك المقابح والفظائع في السجن المدار من قبل رفاقه وأصدقائه واخوته!!

عموماً بالرغم من مرور أحد عشر عاماً على انطلاق الثورة في البلد، وبالرغم من التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة، فالسجن الكبير ما يزال على حاله، فلم يتحسن لا وضع السجن ولا السجان ولا السجين، فلا الحرية تأمنت، ولا الكرامة مصانة في أيِّ من مناطق النفوذ الأربعة في سورية، وهو ما قد يدفع السوري الموجوع من فيض ما فقد إلى طرح أسئلة عديدة على نفسه وربما على غيره، ألا وهي، لماذا ثرنا؟ وهل ثرنا على الجهاز الأمني هناك لنصبح أسرى جهاز أمني في مكان آخر، وهل ثرنا على جهة من أجل استرداد الكرامة لتأتي جهة أخرى تسلب تلك الكرامة مننا بطريقة أخرى، وهل انتفضنا بوجه ثلة من الفاسدين لنصبح أسرى قطيع فاسد؟ وهل خرجنا من أجل الحصول على الحرية في مكان، ليأتي آخر مننا ويناضل باسمنا لينتزع مننا الحرية التي نلناها بعد تقديم عشرات الآلاف من القرابين؟

على كل حال قد لا يحظى المتسائل بمن يجيب عن تساؤلاته المشروعه ولكن ماذا عمن زرع الآمال في قلوب الظامئين للانعتاق بينما الآمال ما تزال صعبة المنال؟ وماذا عمن وعدهم بغدٍ أجمل في المحرَّر بينما المحرَّر في العسف والسطوة يُحاكي المقيّد، فيا ترى ماذا يقال الآن عمن تغنوا بغائبٍ مل الناس انتظاره لفرط تأخره؟ وماذا سيكون ردهم لمن يمسك بياقة واحدهم ويقول له صدقناك ومضينا خلفك، ولقد خسرنا كل شيء قبلك، ولكننا إلى الآن لم نحصل على أي شيء مما كنت ترسمه لنا على جدران المشاعر، فهل عليه وقتها المكابرة وعدم الإقرار بأن كل تصوراته كانت خاطئة، أم سيؤنبه ضميره ويعتذر له ولغيره عما بثه من التخيُّلات التي صورها للآلاف السوريين من عشاق الحرية والديمقراطية عن أنها أحلام قاب قوسين من التحقق، ومن ثم يراجع نفسه ويأسف على ما آل إليه الحالُ ليس كرهاً بالشقاء من أجل نيل الحرية، إنما كرهاً بمن امتطى سفينتها من أوباش المجتمع، فيعتذر حينها عما صدر عنه بعد السقوط المريع لأغلب من عوّل عليهم، ومن ثم يُشعل سيكارته بعد إطلاق حسرة متألمة وهو يترنم بما قاله الشاعر الصيني وانغ جو جن من الآن فصاعداً "لا تصدِّق كثيراً الوعود، فالوعود هي أكواز صنوبر، يُكونها الزمن، رغم جمالها، لكن، لا أحد يضمن عدم سقوطها، بفعل الفصول".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي