: آخر تحديث

جامع الجامعات

3
3
2

كنا في أحد لقاءات بيروت المرصعة عندما فاجأني الدكتور وليد الخالدي بالسؤال: «يا فلان، كيف تكتب؟». ترددت، ثم أجبت: «أجلس إلى مكتبي وأبدأ بالكتابة». عاد يسأل أمام الحاضرين الذين أثار السؤال فضولهم: «ألا تدون ملاحظات وترسم خطة وبداية وخاتمة؟». وكان الجواب الخجول نفياً خجولاً.

كان الوقت قد تأخر بي على تغيير العادات القديمة والإفادة من معشر المعلمين الكبار. وأدرك الرجل أنني شعرت بالحرج أمام الآخرين، فقال مازحاً أو مؤنّباً: «لكل شيخ طريقة!». كان وليد الخالدي هو «الشيوخ»: شيخ من أكسفورد، وشيخ من برنستون، وشيخ من هارفارد وعمامته القدس.

وكان في الأئمة بين المؤرخين العرب في القرن الماضي، أمثال فيليب حتي وألبرت حوراني وإدوارد سعيد، لكنه تميز عنهم بالتكرس لموضوع واحد هو فلسطين. والميزة الأخرى إبقاء الرقي الأكاديمي في أرقى مستوياته. وفي مرحلة طغى فيها النفوذ السياسي أو «العدائي» على العمل الفلسطيني، استطاع أن يحمي الأمانتين: أمانة العائلة المقدسية وجذورها، وأمانة العلم وحجته. والأمانة الثالثة كانت عفوية الخلق وحفظ الإرث.

غاب وليد الخالدي عن مائة عام وعام، هادئاً في صمت المنفى وضجيج المستجدين. ويحتم علينا عمر المائة زائداً واحداً، القول إنه آخر الكبار بين المؤسسين في جيل النكبة، أو جيل العلم والعمل. وفي هذا الموكب التاريخي مرّ عدد كريم من حراس القضية وأهلها: عبد المحسن القطان وإبراهيم أبو لغد وحسيب الصباغ وسعيد خوري وإدوارد سعيد.

رجال من خارج السياسة ومن قلب العمل الوطني. اختاروا الظل، لكن شمس الظل لم تغب. سوف يكون من الصعب ملء المقاعد التاريخية في القرن الفلسطيني الحالي. لقد كانوا جميعاً من أهل العمار في القضية. علم وخلق فوق علم، وحتى في غيابهم حضور كبير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد