مع اتساع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، استهدفت الأولى دول الخليج -رغم عدم انخراطها في الحرب- في محاولة لنقل تكلفة الصراع. وتشير الأرقام المعلنة إلى إطلاق ما يقارب 3 آلاف صاروخ وطائرة مُسيَّرة منذ اندلاع الحرب باتجاه دول في المنطقة، استهدفت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تصعيد عسكري؛ بل تكشف عن منطق استراتيجي محدد يقوم على توسيع دائرة الصراع ورفع تكلفته الإقليمية. منطق يتصور أن مواجهة الدول القريبة أسهل وأقل تكلفة من مواجهة الخصوم البعيدين. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن هذا المفهوم لم يكن تعبيراً عن قوة بقدر ما كان علامة على مأزق استراتيجي؛ فاستهداف الدول القريبة لم يؤدِّ إلى إضعافها؛ بل عزَّز تماسكها وكشف محدودية القوة لدى من تبنَّى هذا المنطق.
ففي أدبيات الحروب غير المتكافئة، تُستخدم هذه الاستراتيجية بهدف توزيع الأضرار على أطراف متعددة، على أمل أن يؤدي الضغط الاقتصادي والسياسي الناتج عن ذلك إلى دفع تلك الدول للتأثير على مسار الصراع، أو الضغط لإنهائه.
غير أن هذه المقاربة -على الرغم من قدرتها على إحداث ضجيج عسكري في لحظة الحرب- غالباً ما تتحول إلى خسارة سياسية بعيدة المدى. فالقانون الدولي واضح في حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، كما أن استهداف دول لم تنخرط في النزاع يقوِّض الأسس القانونية والسياسية التي تنظم العلاقات بين الدول. وعندما تتحول المدن والبنى المدنية في دول الجوار إلى أهداف للصواريخ والطائرات المُسيَّرة، فإن ذلك لا يغير فقط معادلات الحرب؛ بل يترك أثراً عميقاً في طبيعة العلاقات الإقليمية.
من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم الموقف السعودي. فمنذ بداية الأزمة اختارت المملكة نهجاً يقوم على ضبط النفس والحكمة السياسية، متمسكة بمنطق الدولة ومسؤولياتها في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وقد جاء هذا الموقف امتداداً لسياسة سعودية راسخة تقوم على احترام قواعد القانون الدولي، وتغليب الدبلوماسية، والعمل على خفض التصعيد في منطقة تعاني أصلاً من فائض في الأزمات.
هذا النهج لا يعكس ضعفاً ولا تردداً؛ بل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة النظام الدولي، ولحقيقة الجغرافيا السياسية في المنطقة. فالحروب -مهما اتسعت- تظل أحداثاً مؤقتة في التاريخ السياسي. أما الجغرافيا فهي حقيقة ثابتة لا تتغير. القوى البعيدة التي تدخل الصراعات الإقليمية قد تنسحب أو تعيد ترتيب أولوياتها مع مرور الوقت، ولكن الدول المتجاورة تبقى مرتبطة بمصير إقليمي واحد.
ولهذا، فإن استهداف الجيران لا يغيِّر ميزان القوى بقدر ما يخلق مشكلة سياسية طويلة المدى. فالعلاقات بين الدول المتجاورة تقوم في النهاية على قدر من الثقة المتبادلة، حتى في حالات التنافس أو الخلاف. وعندما تتعرض هذه الثقة لصدمة بهذا الحجم، يصبح من الصعب إعادة بناء المسارات الدبلوماسية التي تسمح بإدارة الخلافات بشكل مستقر.
ومن هنا يمكن وصف هذه السياسة بأنها أقرب إلى الانتحار الدبلوماسي. فمهما كانت نتائج الحرب الحالية، فإنها ستنتهي في لحظة ما بتوازن جديد أو بتسوية سياسية. وعند تلك اللحظة ستعود القوى الدولية إلى حساباتها الخاصة، بينما تبقى دول المنطقة مطالبة بإعادة بناء نظام إقليمي قابل للحياة. غير أن استهداف الجيران في لحظة الأزمة يترك أثراً طويلاً في الذاكرة السياسية للدول، ويجعل إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة.
كما أن هذه السياسة لا تنتج سوى نتيجة معاكسة لما يُراد منها. فبدلاً من تفكيك مواقف دول الجوار أو دفعها إلى الضغط السياسي، غالباً ما تؤدي مثل هذه الضربات إلى تعزيز التنسيق بينها، وتسريع مشاريع التعاون الدفاعي والأمني. وفي النهاية يتحول الضغط المفترض إلى عامل يعزز التماسك الإقليمي لدى الأطراف المستهدفة.
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إطلاق الصواريخ ولا توسيع دوائر الصراع؛ بل بقدرتها على إدارة الأزمات بعقلانية تحمي مصالحها بعيدة المدى. فالدولة الواثقة من مشروعها لا تنشغل بمحاولات التشغيب على مسارها الأساسي القائم على الاستقرار والتنمية ورعاية مصالح شعبها؛ بل تتعامل معها بهدوء وثقة، مستندة إلى القانون الدولي وإلى شبكة من العلاقات المتوازنة.
أما الدول التي تفقد البوصلة الاستراتيجية فتنجرف غالباً إلى خيارات قصيرة النظر؛ حيث تتحول المغامرة العسكرية إلى بديل عن السياسة، ويتحول استهداف الجيران إلى وسيلة لتعويض العجز في إدارة الصراع. ولهذا فإن ما نشهده اليوم -بغض النظر عن النتائج النهائية للحرب- يكشف حقيقتين متلازمتين: رعونة الذهاب إلى الحرب من دون حسابات سياسية متزنة، وكارثية استهداف الجوار الجغرافي الذي ستبقى العلاقات معه بعد أن تنتهي الحروب. وهما في الجوهر وجهان لعملة واحدة: عدم الإصغاء إلى صوت العقل، وتجاهل منطق القانون والأعراف التي تقوم عليها العلاقات بين الدول.

