إيلاف من بيروت: في مؤشر خطير على اتساع رقعة الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل النسيج الديموغرافي المتنوع في جنوب لبنان، أسفرت غارة جوية إسرائيلية عن مقتل الأب بيار الراعي، كاهن رعية بلدة القليعة الحدودية. هذا الاستهداف، الذي طال أحد أبرز الوجوه الروحية والمجتمعية في المنطقة، دفع برئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزبف عون إلى الدخول الفوري على خط المواساة والدعم المعنوي، في مسعى لاحتواء تداعيات القصف الإسرائيلي المستمر وتأثيره المباشر على معنويات الأهالي.
وقد أجرى الرئيس عون اتصالين هاتفيين بكل من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وراعي أبرشية صور للموارنة المطران شربل عبد الله، مقدماً التعازي العميقة بشخصية لطالما اعتُبرت ركيزة أساسية في مواجهة آلة الحرب. وأعرب عون، المدرك لحساسية الجغرافيا الجنوبية وتوازناتها من خلفيته العسكرية، عن ألمه الشديد لغياب الأب الراعي، واصفاً إياه بأنه كان يمثل الدرع المعنوي و"مثالاً للصمود ولتمسك الجنوبيين بالبقاء في قراهم وبلداتهم"، رافضاً إخلاء الكنيسة رغم اشتداد وتيرة النيران في محيطها.
لا تقتصر دلالات مقتل الأب الراعي على الخسارة الروحية المحضة، بل تفتح الباب أمام قراءة استراتيجية لأهداف العمليات العسكرية الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ الشريط الحدودي بالكامل، بما في ذلك القرى ذات الأغلبية المسيحية مثل القليعة، من سكانها الأصليين. هذا التصعيد يضع الدولة اللبنانية، إلى جانب القيادة الروحية المارونية، أمام تحدٍ وجودي وغير مسبوق للحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة والصمود في خطوط المواجهة الأمامية الملتهبة.
وكانت قواعد الاشتباك قد انهارت كلياً على الجبهة اللبنانية، لتفسح المجال أمام حرب استنزاف برية وجوية واسعة النطاق تتجاوز الخط الأزرق وتصل ارتداداتها إلى عمق العاصمة بيروت. المشهد الميداني الذي أعقب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أعاد رسم التوازنات الإقليمية، جاعلاً من الأراضي اللبنانية ساحة تفريغ مباشرة للصراع الأوسع الدائر بين التحالف الأميركي-الإسرائيلي وإيران.
اندلعت الشرارة الفعلية لهذا التدهور الاستراتيجي في الثاني من آذار (مارس) 2026، حين أطلق "حزب الله" صليات صاروخية مكثفة باتجاه الشمال الإسرائيلي، في خطوة جاءت رداً مباشراً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. سرعان ما قابلت إسرائيل هذا التحرك بفتح نيران ترسانتها الجوية والبرية، مستهدفة أكثر من 500 موقع حيوي، وموسعة مساحة الاستهداف لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، ومدن صور وصيدا، وصولاً إلى عمق البقاع.
عسكرياً، لم تكتفِ إسرائيل بالغارات، بل دفعت بثقل عسكري مدرع لاختراق الحدود. تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي زج بأربع فرق عسكرية لإنشاء منطقة عازلة، حيث وسعت الفرق 91 و210 و146 نطاق سيطرتها في القطاعين الشرقي والغربي ومحيط جبل دوف. وتوازياً، توغلت الفرقة 36، مسندة باللواء المدرع السابع، في منطقة "رب ثلاثين"، فيما تدور اشتباكات عنيفة ودامية بالأسلحة الرشاشة والقذائف المضادة للدروع في أطراف بلدات الخيام، الطيبة، العديسة، عيترون، والجهة الغربية لبلدة الوزاني. المقاتلون التابعون لحزب الله تراجعوا إلى تكتيكات الكمائن المتقدمة، ووجهوا ضربات بمسيرات انقضاضية وصواريخ نحو حيفا ومواقع انتشار الجيش الإسرائيلي، ما أسفر عن إعطاب مدرعات من طراز "بوما" وجرافات "دي 9"، وسقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين.
التكلفة الإنسانية جاءت باهظة ومباشرة. أوامر الإخلاء العسكرية الإسرائيلية شملت أكثر من 80 قرية في الجنوب اللبناني، إضافة إلى خرائط إنذار حمراء طالت أحياء واسعة في صور وصيدا والضاحية الجنوبية. أسفرت هذه العمليات، وفقاً للبيانات الحكومية وتقارير منظمة "اليونيسف"، عن مقتل 486 شخصاً وإصابة أكثر من 1300 آخرين خلال أسبوع واحد، بينما تجاوزت أرقام النزوح عتبة الـ 700 ألف شخص، مع تقديرات إسرائيلية ترفع الرقم إلى مليون نازح لبناني تركوا منازلهم ليواجهوا مصيراً غامضاً في العراء والمدارس ومراكز الإيواء، في ظل شبه انهيار للمرافق اللوجستية اللبنانية، وانسحاب الجيش اللبناني من نقاط المواجهة الأمامية لتفادي الانخراط في آلة التدمير.


