: آخر تحديث

الجهل جاسوسٌ مقيم

20
21
18
مواضيع ذات صلة

ليس من الضروري أن تكون عميلاً" 

لتخدم عدوك، يكفيك أن تكون غبياً"

محمد الغزالي

في السابق كما هو معلوم كان يتم إرسال جواسيس معينين من خارج الدول أو من أطرافها، فيتم توظيفهم من قبل دولة ما ليكونوا بمثابة العيون داخل الدولة التي أُرسلوا إليها، وهذا الأمر جرى العمل بآليته حتى داخل المؤسسات التجارية أو الاقتصادية المنتجة ضمن حدود البلد نفسه، وذلك من خلال اندساس عمال أو مهندسين كجواسيس ضمن العاملين في مصانع أو معامل معينة لكي يكشفوا سر نجاحها لمن قاموابزرعهم فيها، ولكن بعد أن تطورت التكنولوجيا وغزت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أغلب المجتمعات، لم تعد الدول بحاجة إلى جواسيس ترسلهممن آلاف الكيلومترات ليعملوا لصالحها، ومن تلك الوسائل التجسسية الحديثة وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف منصاتها، حيث عملت وتعمل شركة "الفيس بوك" على مراقبة المستخدمين عبر موقعها وتراقب خياراتهم عبر الشبكة، وتتّبع مجمل تحركاتهم على الإنترنت، ولأنها تتحرى خصوصيات المشتركين في كل دول العالم، لذا حاولت الشركة ولسنوات عدة طمأنة المشتركين أن بياناتهم الشخصية في أيدي أمينة ولن تصل إلى أي جهة خارجية.

كما أنه إضافة إلى الأدوات التواصلية المعاصرة ممثلاً بالوسيط الالكتروني، فإن الجهل من جهة، وظهور نماذج قيادية نرجسية مريضة في المجتمعات من جهة ثانية، غدوا هم البدائل الحقيقية الذين يعملون بكل جدٍ وفاعلية عمل الجواسيس السابقين، هذا سواء أكانوا يقومون بعمل الجاسوس المقيم عن علمٍ مسبق وباتفاق مع جهة ما، أو أنهم يتورطون في العمالة لصالح الجهات المعادية عن غباءٍ خالص، والنتيجة على كل حال واحدة، بما أن أعمالهم لا تكون إلاَّ لصالح الغرماء.

وبما أن الجهل أحد أهم منافذ الاختراق والاندساس في أي مجتمع  أو ملة أو حزب، لذا تعمل بعض النظم للإبقاء على الجهل والمحافظة عليه، وقد تساهم في تفشية، بما أن العلم يناهض أهواء ومشاريع النظم الحاكمة، وطالما كان الوعي كفيلاً بإفشال خطط ومآرب السلطات المعوِّلة في دوام سلطانها على المحرومين من نور المعرفة، لذا أكثر ما يزعج أهل السلطان هو وجود مناهضين لها بين صفوف الشعب ممن كانوا أفهم من الحّكام، لذا تحرص بعض الحكومات كل الحرص على ولادة أو خلق معارضات تحتفي بالجهلاء وتستقطب من كان فاسداً وسهل الانقياد والاختراق وقابلاً للمساومة.

ومن هذه الدول التي حاربت كل مستنير فيمن يعارض سياستها، دولة الملالي التي سعت جاهدة لإبعاد أي شخص متنور من هرم قيادة الأحزاب السياسية الكردية في إيران، وبدأت بتصفية السياسي والمثقف الكردي البارز عبدالرحمن قاسملو زعيم حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بمدينة فينا عاصمة النمسا في 13 تموز 1989 مع اثنين من رفاقه، ثم قامت المخابرات الإيرانية بعدها بتصفية خلفه المناضل صادق شرفكندي في برلين في 17أيلول 1992، إذ كان الذي يقض مضاجع دولة الملالي أن من يتبوأ دفة القيادة في ذلك الحزب هم من الشخصيات المثقفة والمتنورة والتي لديها خلاص الشعب ومصلحته أهم منأناهم ومصالحهم الشخصية، لذا كانت غاية الدولة تصفية تلك القيادات، لأن رأس الهرم الواعي من قادة الحزب كانوا مصدر قلقٍ دائم لدى النظام الإيراني، لذا حاول النظام جاهداً إطفاء نور المعرفة في المناطق الكردية، ولأن العلم وحده قادر على تحرير الإنسان بيسر من أنظمة الطغيان، أوصى رئيس جمهورية مهاباد الشهيد قاضي محمد بالعلم وشدّد عليه قائلاً: "أوصيكم بأن تحثوا أبناءكم على طلب العلم، فإننا لسنا بأقل من الشعوب الأخرى ولا ينقصنا شئ غير العلم، تعلموا، حتى لا تتأخروا عن ركب الشعوب، فالعلم لدى عدوكم هو سلاحه القاتل في وجهكم، تأكدوا لو أنكم اتفقتم واتحدتم وأوليتم العلم اهتمامكم، فانكم سوف تنتصرون على أعدائكم نصراً عزيزا".

أما في تركيا فقد حصل العكس تماماً، إذ بالرغم من الإمكانيات العسكرية الهائلة لدى الدولة، وقدرتها لو أرادت أن تقوم بتصفية قادة حزب العمال الكردستاني كما فعلت إيران وتفعل إسرائيل عادةً مع بعض القادة الفلسطينيين، بناءً على امتلاك الدولة لأحدث أجهزة المراقبة والتحري والطيران التجسسي والقتالي، إلاّ أنها لم تفعل ذلك! وحيث يشير المنشقون عن حزبالعمال الكردستاني إلى أن القيادة العسكرية والأمنية في تركيا ربما تشعر بأن هؤلاء المتزعمون في هرم التنظيم ليسوا سوى مجموعة جهلاء، ومن السهل على الدولة الاستفادة من جهلهم لتحقيق مآربها من ورائهم متى ما أرادت ذلك، طالما كان جهل أصحاب القرار في الحزب بكل ما يحصل في العالم هو المدخل والعتبة، إذ فيما يتعلق بالتطور الهائل في علوم التقانة والتكنولوجيا وعالم المعلومات فإن الدولة التركية تمتلك ناصيتها، بينما يفتقر إلى أردئها الحزب وقيادة الحزب، وهو ما يجعلهم أهداف سهلة المنال، وأدواتطيعة يمكن استخدامهم من قبل الجيش أو الأمن التركي متى ما رغبت الجهات الأخيرة بذلك، وطبعاً بدون إدراك قادة التنظيم، وذلك لافتقارهم أولاً لأسباب العلم، وثانياً لحرمانهم من نعمة البصيرة، بالتالي سهولة تطويعهم بواسطة بضعة جُمل وأقوال تمجيدية لهم أو لرمزهم الغافي على إيقاع أمواج إيمرالي.

بل العكس تماماً هو الذي حصل في المناطق الكردية بتركيا، وبدلاً من أن يتم تصفية قادة التنظيم كما عمل نظام الملالي في إيران، قامت السلطات الأمنية في تركيا باعتقال عشرات الكوادر الكردية المستنيرة بتهمة الانضمام إلى حزب العمال الكردستاني، وبالتالي أبعدت كل كردي واعي، متنور، مثقف، ومتعلم عن الإنشغال بقضيته، حتى تبعد بالتالي النخبة عن قيادة المجتمع، وتفصل بينهم وبين عامة أبناء المجتمع بشكلٍ شبه تام، وهي نجحت في ذلك إلى حدٍ كبير، طالما بقيت شماعة حزب العمال الكردستاني قائمة إلى تاريخ اللحظة، مع عدم المساس بكل قادة الصف الأول من الحزب ما عدا اعتقال رمز التنظيم عبدالله أوجلان.

وما يعزز فرضية رضا الاستخبارات عن قادة الصف الأول من حزب العمال الكردستاني في قنديل، هو قيام منظومة الحزب بالضبط ما كانت ستقوم به وترغبه وتتمناه الأنظمة في دخيلة نفسها عبر ممارسات الحزب في المجتمع الكردي، إذ أن التنظيم العقائدي المصنوع من بقايا الفكر الشمولي، حاول جاهداً إبعاد المثقفين وأصحاب الفكر والرؤية عن موقع القرار في الحزب، بل وحارب المفكرين والكتاب والفنانين الحقيقيين، وأبقى فقط على مجموعة من الرداحين والمطبلين والممجدين بحياة الحزب والقائد كما هو حال كل الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، بل وعملت تلك المنظومة العقائدية جاهدة على زرع قناعة وبث ثقافة عامة بين شرائح المجتمع الكردي،قائمة على تخوين كل من لا يتوافق معها، وكل من لا ينسجم مع سياستها، وكل من لا يتبنى خطابها.

وفيما يخص العميل المرسل أو العميل المقيم، فبات واضحاً أن العميل في العصر الراهن، هو ليس ذلك الذي يتم توظيفه من قبل مخابرات الدول بهدف النيل من الجهة التي زُرع فيها، إنما من يخدم عدوَّه صارمقيماً بين الشعب وجزء منه، ولكنه بغبائه يعمل عمل الجواسيس السابقين، فالعميل في الوقت الراهن هو من نفس أبناء المجتمع وليس مندس بينهم، كما أن ليس الجاسوس هو مَن يجلب الويلات إلى الديار، إنما السياسي الجاهل، والمسؤول الغبي، والقائد الطائش، والمستبد الأهبل هو أوّل من يكون سبباً بقدوم الخراب، لذا فمن يسمح بأن يقوده جاهل وأفّاك ومستبد، عليه أن يتحمل تبعات الهزائم المتلاحقة من وراء انقياده، كما أن عليه سلفاً توقع أي سيء، والتهيؤ لأي انهيار مفاجئ في وضعه السياسي والعسكري والأمني وحتى القيمي، طالما بقي يسير كالمسرنم على رتم بضعة كليشيهات، كما يساق العبد المقيّد بالسلاسل خلف قيادة لا وظيفة لديها إلاَّ المقامرة بكل مساقٍ خلفها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي