يدرك الحوثي أن للصبر السعودي حدوداً، ويعرف جيداً أن حبال ذلك الصبر ليست ممدودة للأبد. ويعلم الحوثيون أن لدى المملكة بدائل وخيارات عسكرية وسياسية وافرة، وتحالفات صلبة، يقف المجتمع الدولي إلى صفها، بدءاً من مجلس الأمن الدولي، وانتهاءً بشجب واستنكار المجتمع الدولي الذي أدان العدوان الحوثي السافر على الأعيان المدنية، والمنشآت النفطية والاقتصادية، والمدنيين الأبرياء.يظن الحوثي أنه بمحاولاته اليائسة احتلال ميناء المخا، والتسلل إلى الجزر المطلة على باب المندب، وتمسّكه بالحظر الذي يفرضه على ناقلات النفط سيحقق آمال إيران بإغلاق مضيقَي «هرمز» و«باب المندب» في وجه السفن والناقلات. وهو تصور خاطئ، إذ إنه يمثل إعاقة للملاحة الدولية، ووقفاً لتدفق النفط إلى دول العالم. ولن يقف العالم مكتوف الأيدي أمام محاولات تعطيل تلك الممرات المائية الإستراتيجية، فمن يعتقد أن إغلاق باب المندب يمكن أن يتحوّل إلى ورقة ضغط يتجاهل حقيقة أن هذا الممر ليس شأناً إقليمياً محدوداً، بل شريان دولي تتقاطع عنده مصالح العالم الاقتصادية وأمن الطاقة. كما أن من شأن تحكّم الحوثي في باب المندب التأثير في عمل قناة السويس، وهو أمر يهم اقتصاد دول العالم قاطبة.لا شك في أن المرحلة الراهنة تقتضي من قوات الشرعية اليمنية إعادة ترتيب صفوفها وتكثيف ضرباتها على المليشيا الحوثية الإرهابية. وهي ضغوط ينبغي أن تُعزَّز بتناسي الخلافات الجانبية بين القوى التي تتكوّن منها قوات الشرعية اليمنية. فالمعركة ضد الحوثي ليست معركة ضد مليشيا انقلابية فحسب، بل هي معركة ضد المشروع الإيراني، الذي يريد أن يلتهم اليمن بأكمله، ويوظّفه لخدمة غاياته التوسعية.الوقوف ضد المشروع الإيراني ضرورة مُلحّة لتوحيد صفوف القوى اليمنية الحرة العازمة على الخلاص من قيود المشروع الحوثي-الإيراني.إن إيران تريد أن تطوّق المنطقة الخليجية كلها، من خلال إغلاق مضيق هرمز، وشن غارات بالمسيّرات والصواريخ الباليستية، بالتزامن مع إذكاء الاضطراب في الدول العربية: لبنان، وسورية، والعراق، وتحريض وكلائها وذيولها في تلك البلدان لتخريب مشاريع التسوية، عبر إثارة الفتن واستثارة الطائفية.تتمسك السعودية -بحسب ما أكده وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان- بإبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً؛ لأن مشكلات المنطقة لن تُحلَّ بالعنف والمواجهة. وقد أظهرت السعودية قدراً كبيراً من ضبط النفس، تجلَّى في امتناعها عن الرد على مؤامرة تخريب خط الأنابيب شرق-غرب من الأراضي العراقية. وهو صبر ينبغي ألّا يؤخذ باعتباره ضعفاً أو تهاوناً. فجميع الأطراف في المنطقة يعرفون أن السعودية تملك واحدة من أقوى القوات في المنطقة تسليحاً، ولو أرادت استخدامها وفق منطق القوة والردع السريع فستكون ضرباتها حاسمة ورادعة، لكن المملكة مستعدة للبقاء على صبرها الإستراتيجي حتى تتسع آفاق الحلول، وتدرك إيران أن التصعيد سيضع العالم كله في مواجهتها. وإذا انحلت عقدة إيران فإن وكلاءها سيكفُّون أذاهم، وسيبحثون عن السلام ولو كان هشاً؛ لأنهم مجرد تابعين وأذنابٍ لطهران. أما إذا بقيت إيران ترهن مصير دول المنطقة بما يطرأ على حربها مع الولايات المتحدة فستتكتّل دول المنطقة والعالم لصدِّ الأذى ومواجهة أربابه، وستصبح إيران في عزلة دولية وإقليمية.إن حسن النية ينبغي أن يقابل برد مماثل. وإن السكوت على عدوان مليشيا الحوثي لن يطول، خصوصاً إذا لم تفعل إيران شيئاً لكبح جماح المليشيات العميلة، وفي مقدمتها مليشيا الحوثي الإرهابية الانقلابية في اليمن، والحشد الشعبي التابع لها في العراق. إن السعودية لا تريد حرباً شاملة في المنطقة، ولا خارجها، لأن الحرب كلفتها عالية على الجميع، بل على العالم أجمع. ولذلك اختارت أن تصبر على أذى الكائدين والحاقدين والانتهازيين.. ولكن إلى حين، وليس إلى ما لا نهاية.الأكيد أن السعودية لم تكن في اليمن طرفاً عابراً، ولن يكون أمن اليمن بالنسبة إليها ملفاً هامشياً. فأمن اليمن جزء من الأمن الوطني السعودي، وأمن البحر الأحمر وباب المندب جزء من أمن المنطقة بأكملها. ولذلك فإن الدعم السعودي لليمن وللقوى الشرعية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل يرتبط بحسابات أمنية وإستراتيجية دقيقة تتجاوز حدود البلدين.
السعودية.. والردع القادم لـ«الحوثة» !
مواضيع ذات صلة

