: آخر تحديث

في وداع الدكتور بكر عبدالله بن بكر

1
1
1

حين يخلد العلم أصحابه فإن العظماء لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، وإنما يبدأ حضورهم الحقيقي في الذاكرة، حيث تتحول أعمالهم إلى شواهد ناطقة، وسيرتهم إلى ضوء تسترشد به الأجيال. ومن هذا الطراز النادر من الرجال كان الدكتور بكر عبدالله بن بكر، أحد رواد النهضة السعودية الذين أدركوا، منذ البدايات الأولى، أن الأوطان لا تشيد بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تعرف كيف تصنع المستقبل.

جاء رحيله ليترك في المشهد الوطني فراغاً لا يملؤه المنصب، بل تملؤه القيمة، فقد كان رجلاً حمل العلم رسالة، والعمل أمانة، والوطن غاية لا تتقدم عليها غاية. ولذلك لم تكن حياته سلسلة من المناصب، بقدر ما كانت رحلة متصلة من البذل الهادئ الذي لا يبحث عن الأضواء، وإنما يصنعها للآخرين.

في البدايات، حين كانت المملكة ترسم ملامح نهضتها الحديثة، كان الدكتور بكر بن بكر حاضراً في الصفوف الأولى. أسهم في تأسيس كلية البترول والمعادن، التي أصبحت لاحقًا جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فشارك في وضع اللبنات الأولى لصرح علمي غدا اليوم منارة للمعرفة، ووجهةً للتميز الأكاديمي والبحثي. ثم تولى إدارتها، فقادها برؤية بعيدة، وإيمانٍ راسخ بأن الاستثمار الحقيقي لا يكون إلا في الإنسان، وأن الجامعة ليست مبنى يحتضن الطلاب، بل فكرة تصنع الأوطان.

وقبل أن يدون اسمه في سجل التعليم العالي، كان قد سجله في سجل الريادة المهنية، بوصفه أول مهندس بترول سعودي يعمل في شركة أرامكو، في مرحلة كانت الكفاءات الوطنية تشق طريقها بثقة نحو قيادة أهم القطاعات الاستراتيجية في البلاد. ولم يكن ذلك إنجازاً شخصياً فحسب، بل كان إعلاناً مبكراً لقدرة أبناء الوطن على حمل مسؤولية التنمية وصناعة مستقبلها.

ثم مضى يحمل رسالته إلى ميادين الدبلوماسية سفيراً للمملكة في الجمهورية التونسية ثم الجمهورية العربية السورية، فكان صورةً للمثقف الذي جمع بين المعرفة والاتزان، وبين الحكمة والوفاء، ممثلًا لوطنه بأخلاقه قبل موقعه، وبأثره قبل كلماته.

واليوم، يترجل فارس من فرسان البناء، لكن ما شيده لن يترجل معه، سيظل حاضراً في كل قاعة علم، وفي كل مهندسٍ تخرّج، وفي كل مشروعٍ وطني يستند إلى المعرفة بوصفها أساس النهضة. ذلك أن الرجال الذين يهبون أعمارهم للوطن لا يغادرونه حقًا؛ فهم يبقون في مؤسساته، وفي ذاكرته، وفي القيم التي أورثوها للأجيال.

رحم الله الدكتور بكر عبدالله بن بكر، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، فقد كتب اسمه في سجل الرواد بحروف من علم وإخلاص، وترك للأجيال سيرة تؤكد أن أعظم الإرث ليس ما يملكه الإنسان، بل ما يتركه من أثر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد