: آخر تحديث

ليبيا... تفوّق الواقع على الخيال

2
2
2

يرى النقادُ أنَّ عدمَ الخضوع للعقل والقواعد المنطقية هو ما يميّز المدرسةَ السُّوريالية في الفنّ والأدب. ويوضحون أنَّ الرسومات الغريبة التي يبدعها فنانوها المقصود منها لفتُ انتباهِنا إلى وجود واقع آخرَ مفارقٍ لعالمنا، هو عالم اللاوعي، أي عالم الأحلام.

في تفسير علاقة الأحلام بالواقع يرى بعضٌ أنَّها تشبه مرآة مشوّهة ولكنَّها صادقة. فالأحلام، يقولون، لا تأتي من العدم، بل هي إعادةُ معالجة وصياغة لما نعيشه في يقظتنا، ولكن بلغةٍ رمزية.

بالنسبة لمنظري المدرسة السوريالية، فإنَّ الواقع الظاهري الذي نعيشه في يقظتنا ليس سوى نصف الحقيقة. الحقيقة الكاملة - في نظرهم - تكمن في دمج عالم اليقظة مع عالم الأحلام لخلق ما سموه «الواقع الفائق» (Super-reality)، حيث يتحرر الإنسان من قيود الزمان والمكان. لأن المكان يُقيّد الحركة، والزمان يُقيّد البقاء.

الحقيقة التي لا يختلف حولها عاقلان هي أن سوريالية الأدب والفن لا تتفوق غرائبيتها على غرائبية الواقع الإنساني. الواقع، في كثير الأحيان، يتجاوز السوريالية ذاتها، ويغدو أكثر جموحاً وغرائبية مما قد يتخيّله أي فنان سوريالي. هذه المفارقة هي ما جعلت كثيرين من المفكرين والأدباء يلاحظون أن السوريالية لم تبتكر الغرابة، بل استعارتها من الواقع وأعادت تنظيمها. فالواقع الإنساني ليس مجرد أحداث منطقية متتابعة، بل هو مليء بما يمكن تسميته «السوريالية المباشرة».

تطبيق هذا المفهوم على المشهد الليبي اليوم يمسّ جوهر التجربة اليومية للشارع؛ حيث يتحول المشهد السياسي والاجتماعي إلى ما يشبه لوحة سوريالية حيّة، تلتقي فيها المتناقضات وتتلاشى فيها الحدود.

تتجلى «السوريالية المباشرة» في ليبيا في أكثر من صورة. أبرزها، في رأيي، التجاور الغريب للمتناقضات. الشيء ونقيضه يعيشان جنباً إلى جنب داخل الإطار نفسه. حيث مظاهر الحياة الفارهة في أكثر تجلياتها. تجاور الفقر المدقع، مع تدفق موجات المهاجرين، وانقطاعات الكهرباء، وخلو المصارف من السيولة، والتهديدات الأمنية المتكررة. إلا أن الحياة بطبيعتها لا تتوقف، بل تستمر بكامل صخبها اليومي، وكأن الناس يعيشون في عالمين موازيين في آن واحد.

ليبيا اليوم تعيش حالة يصعب تفسيرها بأدوات العلوم السياسية أو المنطق وحده. هي حالة تتداخل وتختلط فيها مفاهيم الحلم والكابوس، المنطق واللامنطق، لتصبح، إن أمكن الوصف، حالة سوريالية حياتية يتنفسها الشارع ويحاول التأقلم مع مفارقاتها.

في الأيام القليلة الماضية، ومن دون مقدمات، أُضيفت لمسة خارقة لتلك اللوحة: إعلانٌ من مدينة جنيف، في سويسرا، عن اختيار شخصية جديدة لرئاسة ما وُصف بـ«حكومة ليبية موحدة». الحكومة المعلنة من تلك المدينة البعيدة، جغرافياً وسياسياً، تُعدّ ثالثَ تشكيل حكومي يتزامن مع حكومتين قائمتين. الأولى في غرب البلاد، والثانية تمتد في شرقها وجنوبها. الاسم المعلن لقيادة المجلس الرئاسي شخص اسمه مصطفى المجدوب، وآخرون يسمونه مصطفى المشاي. الشخص المعني مجهول الهوّية. البعض سُخرية ينسبونه إلى الكائنات الفضائية التي تحدث عنها المرحوم الكاتب المصري أنيس منصور في كتابه المعنون: «الذين هبطوا من السماء». وإنصافاً للحقيقة، فهو ليس الاسم الأول، ولن يكون الأخير في قائمة الذين هبطوا من السماء في ليبيا فجأة بعد فبراير (شباط) 2011.

جاء هذا الإعلان المفاجئ في توقيت لافت. إذ كانت البلاد تناقش مبادرة أميركية، يقودها صهر الرئيس الأميركي مسعد بولس، لتوحيد الحكومتين القائمتين في حكومة واحدة. في خضم السجال بين المؤيدين والرافضين على وسائل الإعلام ومنصات التواصل، طفا الخبر بالإعلان عن تشكيل حكومة ثالثة، وتحوّل مسار النقاش من الخلافات حول تفاصيل توحيد الحكومتين إلى تساؤلات عن هويات الذين هبطوا من السماء فجأة، وأعلنوا تشكيل حكومة، ومن يقف وراءهم، والجهة المنظِّمة لاجتماع جنيف، والممولين.

اللافت أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفت أي علاقة لها بالاجتماع، أو بمن نظّمه، فيما أكد القائمون المجهولون على المبادرة أنها تنبع من «إرادة ليبية مستقلة!» بعيداً عن المسارات الدولية.

القول بـ«إرادة ليبية مستقلة» بعد أكثر من 15 سنة من استحواذ القوى الأجنبية على القرار الليبي والتحكم في مساراته، تمثل ذروة السوريالية في اللوحة الليبية.

هناك من رأى في الخطوة محاولة وطنية جادة لكسر الجمود. وهؤلاء يمثلون فريق الحالمين، أو بالأصح الواهمين. وهناك من اعتبرها تفتقر إلى أي سند قانوني أو دستوري، يمنحها صفة تمثيلية حقيقية. وهؤلاء من يرون المسألة من ثقب إبرة قانوني ودستوري في بلاد لا قانون فيها ولا دستور إلا قانون السلاح. ولم تصدر حتى الآن أي جهة ليبية رسمية أو دولية موقفاً حاسماً بشأنها.

الرئيس الجديد للحكومة الثالثة وأعضاء حكومته ليسوا، في رأيي، سوى واجهة كرتونية أمامية لجهات عدة أجنبية وعربية وإقليمية ومحلية، تعودت التحرك وراء كواليس معتمة طيلة السنوات الماضية، بغرض لخبطة الأوراق وبهدف مواصلة تأزيم المشهد للإبقاء على الوضعية القائمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد