: آخر تحديث

من الوافل إلى الكليجا

4
2
2

هل بإمكانك أن تتذوق مدينة؟ بالتأكيد هذا ما يحدث عندما تبحث عما تتميز به دولة أو مدينة ما.. الحقيقة التي أدركتها أمُم متعددة، فحوّلت أطباقًا بسيطة، كانت في الأصل تقليدًا يوميًا، إلى رموز وطنية وعلامات سياحية تعبر الحدود دون تأشيرة! لم تعد السياحة تعتمد فقط على المتاحف والقلاع والشواطئ، بل أيضًا على ما يُقدم في الطبق، وما يحمله السائح حين عودته.

حين يزور الملايين هولندا، فإنهم لا يغادرون دون تجربة الوافل الهولندي، أو تناول البطاطس المقلية الهولندية، التي لم تصبح مشهورة لأنها ألذ من غيرها فحسب؛ بل لأنها أضحت جزءًا من الهويّة البصرية والسياحية لهولندا، تجد الأكشاك تحمل تصاميم لافتة، والمنتجات تُغلف بألوان العلم الهولندي، حتى أمست تجربة لا تقل أهمية عن زيارة طواحين الهواء أو القنوات المائية.

إلى بلجيكا، التي حوّلت الشوكولاته إلى صناعة وطنية، من المتاحف مرورًا بالجولات السياحية في مصانعها، حتى باتت جزءًا من البرنامج السياحي لأي زائر، أما البيتزا ومثلجات "الجلاتو"، فقد أضحت علامة فارقة لإيطاليا، بينما نجحت اليابان في جعل السوشي والرامن جزءًا من قوتها الناعمة.

هذه الدول لم تترك أطباقها تنجح بالصدفة، بل صنعت قصة وهوية، فالسائح يرغب أن يعيش تجربة، ويسجل ذكرى، لذلك أصبحت الأطباق المحلية أداة تسويق جاذبة ومصدر دخل اقتصادي فعالة، ونحن في المملكة نمتلك كنزًا غذائيًا هائلًا، يحتاج استثمارًا ثقافيًا وسياحيًا، ولدينا عشرات الأطباق والمنتجات التي يمكن أن تتحول إلى رموز وطنية يعرفها العالم، مثل الكليجا، والجريش، والقرصان، والمطازيز، والمعصوب، والحنيني، وغيرها.

غير أن التحدي لا يكمن في جودة المنتج، بل في طريقة تقديمه، فالكليجا مثلًا، يمكن أن تتحول إلى علامة تجارية عالمية إذا أُعيد تصميم تغليفها، وابتُكرت نكهات جديدة تحافظ على أصلها، ومتاجر متخصصة تقدمها بطريقة عصرية، مع تجربة تذوق وقصة تحكي تاريخها، تمامًا كما فعلت دول كثيرة مع منتجات كانت في الأصل بسيطة، أيضاً لا بد من ابتكار وجبة سعودية ساخنة تكون سهلة التقديم، وسريعة التحضير، وقابلة للانتشار عالميًا، تحمل الروح السعودية في مكوناتها ونكهتها، مثل الكبسة أو الجريش، كما أصبحت "البرغر" رمزًا أمريكيًا، والسوشي يابانيًا، والبيتزا إيطالية.

هنا يبرز الدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به هيئة فنون الطهي، فالنجاح لا يبدأ من المطبخ فقط، بل من تفعيل منظومة متكاملة، تشمل البحث، والتوثيق، والتطوير، والابتكار، والتغليف، والتسويق، والهوية البصرية، والمهرجانات، ومسابقات الطهاة الشباب لتطوير وصفات محلية قابلة للانتشار العالمي، مثل ما قامت به الهيئة في "روايات الأطباق الوطنية وأطباق المناطق"، التي سمّت "الجريش طبقًا وطنيًا و"المقشوش" بوصفها الحلوى الوطنية.

إن الاستثمار في الأطباق الغذائية المحلية هو مشروعٌ ثقافي وسياحي واقتصادي قبل أن يكون غذائياً! وبلادنا تزخر بتنوع وإرث يؤهلها لأن تقدم للعالم منتجات غذائية مميزة، تكون جزءًا من رحلة كل زائر للمملكة، وذكرى يحملها معه، وصورة راسخة عن وطنٍ يروي تاريخه بطبق من مطبخه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد