: آخر تحديث

نتائج القبول الجامعي.. هل من أفكار جديدة؟

2
2
2

تغريد إبراهيم الطاسان

في الأسبوع الماضي تم إعلان نتائج القبول في الجامعات عبر منصة قبول الموحدة، لكن قصص التوتر لم تنتهِ.!

في كل بيت تقريبًا كان هناك طالب أو طالبة يترقبان رسالة قبول، ووالدان يراقبان شاشة الهاتف، وأسئلة تتكرر: هل سيُقبل؟ وفي أي جامعة؟ وهل سيحصل على التخصص الذي حلم به؟ وما إن أُغلقت بوابات القبول حتى بدأت موجة أخرى من المشاعر؛ فرحٌ لدى البعض، وخيبةٌ لدى آخرين، وحيرةٌ لدى كثيرين لم يعرفوا إلى أين يتجهون بعد أن أغلقت أمامهم الخيارات.

ورغم ما شهدته بلادنا خلال السنوات الأخيرة من توسع كبير في إنشاء الجامعات، وتنوع البرامج الأكاديمية، وتعدد مسارات التعليم، فإن موسم القبول ما يزال يترك لدى شريحة من الطلاب شعورًا بأن المقاعد أقل من الطموحات، وأن رحلة اثني عشر عامًا من الدراسة قد تُختزل في أيام قليلة من المفاضلات والدرجات.

المشهد لا يتعلق بعدد الجامعات فقط، وإنما بطريقة الانتقال من التعليم العام إلى التعليم الجامعي. فالطالب الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة يُطلب منه أن يتخذ قرارًا قد يرسم مستقبله المهني لعقود طويلة. يختار تخصصًا ربما لم يكتشف نفسه فيه بعد، ويحدد مسارًا لم تتح له فرصة حقيقية لتجربته أو التعرف إليه.

ونتساءل: هل يستطيع طالب في هذه المرحلة العمرية أن يعرف بدقة ما يناسبه من تخصص دراسي؟ ربما يستطيع بعضهم، لكن كثيرين يكتشفون بعد عام أو عامين أنهم ساروا في الطريق الخطأ، لا لأنهم أخفقوا، ولكن لأنهم لم يحصلوا على فرصة كافية لاكتشاف ميولهم وقدراتهم قبل اتخاذ القرار.

ومن هنا قد يكون من المناسب فتح نقاش وطني حول آلية القبول نفسها، وليس فقط حول نتائجها.

فبدلًا من الاعتماد على اختبارات القدرات والتحصيلي بوصفها بوابة العبور الأساسية إلى الجامعة، لماذا لا يُدرس نموذج مختلف؟

نموذج يقوم على سنة جامعية تأسيسية موحدة، تكون تحت مظلة مجلس شؤون الجامعات، ينتقل إليها جميع خريجي الثانوية، ويتلقون خلالها مقررات تأسيسية مشتركة، إلى جانب برامج لقياس القدرات الفعلية، والمهارات، والميول المهنية، والاستعداد الأكاديمي، مع إتاحة فرص للتجربة العملية والتوجيه والإرشاد.

في نهاية هذه السنة، لا يكون الطالب قد جمع درجات إضافية فحسب، سيكون قد اكتشف نفسه أيضًا. عندها يصبح اختياره للتخصص أكثر وعيًا، وتصبح قرارات الجامعات في توجيهه أكثر عدالة، لأنها تستند إلى أداء حقيقي داخل البيئة الجامعية، لا إلى اختبار واحد أو يوم واحد قد يتأثر بظروف نفسية أو صحية أو اجتماعية.

هذا المقترح لا يعني التقليل من قيمة اختبارات القياس، فقد أسهمت في تحقيق قدر من العدالة والموضوعية، لكنها تبقى أدوات تقيس جانبًا محددًا من قدرات الطالب، بينما الحياة الجامعية تتطلب منظومة أوسع تشمل التفكير، والانضباط، والعمل الجماعي، والقدرة على التعلم المستمر، والميول الشخصية.

كما أن السنة التأسيسية الموحدة قد تمنح الجامعات فرصة أفضل لتوزيع الطلاب على التخصصات وفق احتياجات التنمية وسوق العمل، وفي الوقت نفسه تمنح الطالب فرصة حقيقية لإعادة النظر في اختياراته قبل أن يصبح تغييرها مكلفًا.

لسنا بحاجة إلى مزيد من القلق في كل موسم قبول، بقدر حاجتنا إلى نظام يجعل القبول بداية لاكتشاف الذات، لا سباقًا محمومًا على مقعد جامعي. فنجاح منظومة التعليم لا يُقاس بعدد المقبولين فقط، بل بقدرتها على أن تضع كل طالب في المكان الذي يستطيع أن يبدع فيه ويضيف لوطنه.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: كم طالبًا قُبل هذا العام؟ بل: كم طالبًا وجد فعلًا الطريق الذي يناسبه؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد