جاء بيان الكنيسة الأنجليكانية الكنيسة الرسمية في بريطانيا الأخير، بعد مداولات ومشاورات طويلة ومكثفة جرت في الداخل البريطاني، ومن جديد تم الاستناد إلى ما يعرف بـ«كايروس» فلسطين في نسخته الثانية، التي فتحت كنيسة الملك (تشارلز) الأبواب واسعة أمام الاستماع إليها.
تعني كلمة كايروس باللغة اليونانية، اللحظة المناسبة أو الحاسمة، وهي حركة سياسية ولدت في بيت لحم عام 2009، كدعوة من الفلسطينيين، إلى بقية المسيحيين حول العالم، على اختلاف طوائفهم، للمساعدة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بصورة سلمية.
«أنا قسيسة ولست سياسية. عندما أقول إنَّ الشعب الفلسطيني يستحق حريته، فهذا ليس بياناً سياسياً، بل بيان أخلاقي وروحي... فلسطين التي اعترفت بها الحكومة البريطانية العام الماضي تتلاشى».
عبر هذه الكلمات استهلت رئيسة أساقفة الكنيسة الأنجليكانية، سارة مولالي، هذا البيان الذي صدر بعد رحلة لها إلى الأراضي المقدسة في فلسطين، التقت خلالها بضحايا الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذا صوت مهم لأنه جاء من أعلى مستوى كنسي رسمي، للمطالبة «بالضغط على السياسيين لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لوضع مسار موثوق نحو إنهاء الاحتلال»، على حد وصف مولالي.
مرة أخرى، كانت الجماعة عينها تتحرك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتصدر رسالة أممية ثانية عنوانها «لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية»، رداً على تدمير إسرائيل لغزة، وتصاعد العنف والتطهير العرقي في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية.
هل هي متناقضات القدر أن الدولة التي صدر عنها وعد بلفور المشؤوم، هي عينها التي تفتح فيها كنيستها الرسمية أبوابَها واسعة للاستماع إلى مظلومية تاريخية، تخص الأرض والشعب الفلسطيني معاً؟
المؤكد أن رئيسة الأساقفة مولالي، قد لمست خلال زيارتها بنفسها، ورأت بأم عينها، المصاعب الهائلة، وشبكة نقاط التفتيش التي يواجهها الفلسطينيون في حلهم وترحالهم، عطفاً على أنَّها التقت عائلات تقاتل محاولات إسرائيل للاستيلاء على أراضيها في الضفة الغربية منذ عام 1991، وعائلات أخرى تواجه هجمات متكررة من جانب المستوطنين، وما لمس قلبها بكل تأكيد وتحديد، رؤيتها لأسر بلا مأوى، أطفالها مصابون بصدمات نفسية، من جراء الصراع الذي وصفته بأنَّه يبدو لا نهاية له.
في غزة خطر في نفس مولالي ولا شك أن هناك حرب إبادة، قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ولهذا قطعت في بيان كنيستها بأنَّ المعاناة العميقة المستمرة هناك يجب أن تنتهي في أسرع وقت، كما يجب على المجتمع الدولي ألا يتجاهل الأمر، فهو يتحمل المسؤولية في حدوث هذه المعاناة، كما أن عليه المساعدة في إعادة بناء مجتمع غزة.
في الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، ارتفع صوت مولالي في كنيسة القديس بطرس، في مدينة بيرزيت الفلسطينية، بالتأكيد على أنَّها سوف تستخدم منصبها كرئيسة أساقفة للسعي إلى السلام الذي يرغب فيه الفلسطينيون، والحرية التي يكافحون في سبيلها منذ عقود طوال.
خلال الأسبوعين الماضيين وبالتحديد في 13 يوليو (تموز) الحالي، وبعد يومين متواصلين من المناقشات، صوَّت المجمع العام لكنيسة إنجلترا بأغلبية كبيرة لصالح التضامن مع الفلسطينيين خلال اجتماعه في مدينة يورك الإنجليزية، وتم السماح بالاستماع إلى وثيقة كايروس الثانية، تلك التي تتناول مصطلحات كانت يمكن أن تؤدي بصاحبها إلى المحاكمة بتهمة معاداة السامية.
ما الذي يمثله هذا التغيير الكبير والمثير؟
أولاً، يعني أن هناك قطيعة مع فكرة التابوهات التي كانت تحظر على رجال الدين المسيحي الأنجليكان، من الاقتراب من قضية عادلة مثل القضية الفلسطينية.
الأمر الثاني، بدأ العالم يستمع إلى أصوات فلسطينية الأصل والجذور، من مسيحيي فلسطين، الذين جرى استبعادهم عمداً من جانب سلطات الاحتلال الفلسطيني في جميع الحوارات.
الجديد في وثيقة كايروس فلسطين الثانية، أنَّها تنبهت لذاك التيار المعروف باسم «الصهيو- مسيحية»، ورفضته بشدة، باعتباره لاهوتاً ناتجاً عن العنصرية والاستعمار والتفوق العرقي.
بلا شك كان لتحركات الكنيسة الأنجليكانية الأخيرة أن تجد مناوءات ومناوشات، وربَّما اعتراضات بأصوات عالية، لكن لا يمكن توجيه تهمة العداء للسامية لهذا الكيان الديني، حيث إنه من الأصوات التاريخية التي ساهمت في مواجهة معاداة السامية في الأزمنة الأوروبية الظلامية.
الأخطر في توصيات البيان، هو حث المستثمرين الأنجليكان على مراجعة مواقفهم من الاستثمار في إسرائيل، في ضوء الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 2024، بشأن عدم شرعية احتلال الأراضي الفلسطينية.
الخلاصة... القضية الفلسطينية تكسب مربعَ دعم مهم للغاية، وينبغي المراكمة عربياً وإسلامياً على هذا الجهد.

