: آخر تحديث

الميراث الحقيقي

2
2
2

ليلى أمين السيف

لا أعرف لماذا نقضي عمرا كاملا في تعليم أبنائنا كيف ينجحون في دراستهم ولا نقضي ساعة واحدة في تعليمهم كيف يحافظون على بعضهم بعد رحيلنا.

نعلمهم أن يحصلوا على أعلى الشهادات وأن يتقنوا اللغات وأن يختاروا التخصص المناسب وأن يبحثوا عن الوظيفة الأفضل ثم نساعدهم في الزواج ونفرح بأحفادنا لكننا ننسى السؤال الوحيد الذي سيحدد شكل العائلة بعد عشرين أو ثلاثين عاما:

هل سيبقون إخوة أم سيصبحون مجرد ورثة؟

هذه ليست مبالغة. اذهب إلى أي محكمة وستجد أن أكثر القضايا مرارة ليست بين الغرباء بل بين إخوة خرجوا من رحم واحد وأكلوا من مائدة واحدة وضحكوا تحت سقف واحد فمتى حدث كل هذا؟ هل بدأ يوم قُسِم الميراث؟

كلا.. لقد بدأ قبل ذلك بعشرين عاما داخل البيت. بدأ حين كان أحد الأبناء يسمع دائما

« تعلم من أخيك» أو « أختك أفضل منك».

وبدأ حين كان أحدهم يشعر أن أخاه هو المنافس الأول لا الظهر الذي يستند إليه.

فالوالدان قد يظنان أن المقارنة وسيلة للتشجيع لكنها في الحقيقة تزرع منافسة صامتة وقد تتحول مع الزمن إلى غيرة ثم إلى حسد ثم إلى قطيعة.

إن الطفل لا يكره أخاه بسبب لعبة ولا بسبب قطعة حلوى لكنه قد يحمل في قلبه شعورا قديما بأنه كان أقل حظا من الحب أو أقل نصيبا من التقدير أو أقل حصة من العدل. وهذه الجروح الصغيرة لا تموت مع الزمن بل تنام في أعماق النفس، حتى يوقظها أول خلاف فإذا جاء المال أو الميراث أو الخلاف وجد أرضا خصبة لينمو فيها. الميراث لا يصنع العداوة إنه فقط يكشف ما كانت التربية تخفيه.

ومن الجدير بالذكر أن هناك ايضا نوع من الظلم لا ينتبه إليه كثير من الآباء وهو ظلم الابن الصالح. ذلك الابن الذي لا يرفع صوته ولا يرفض طلبا ولا يريد أن يكسر خاطر والديه. فيصبح هو المسؤول عن كل شيء بينما يُعفى أخ لأنه سريع الغضب وآخر لأنه «لا يسمع الكلام». فيظن الوالدان أنهما كرّما الابن البار بثقتهما فيه بينما هما - من حيث لا يشعران - يحمّلانه ما لا يطيق ويغرسان في قلبه شعورا بأن صلاحه كان سببا في زيادة الأعباء لا في زيادة التقدير. ومع مرور السنوات قد لا يغضب من والديه لكنه يبدأ بالنظر إلى أخيه بعين المظلوم لا بعين الأخ.

ثم يكبر الأبناء و يتزوجون .وهنا تبدأ المرحلة التي لا يتحدث عنها أحد.

فليس الزواج هو الذي يفرق الإخوة بل الطريقة التي ندير بها الزواج.

حين يشعر الزوج أن عليه أن يختار بين زوجته وأخته أو تشعر الزوجة أن نجاح زواجها يقتضي إبعاد زوجها عن إخوته وهنا يخسر الجميع.

فالزوجة ليست بديلا عن أخته كما أن الأخ ليس منافس للزوج؛ فلكل مكانته التي لا تُزاحمها مكانة.

لكننا أحيانا نحول العلاقات إلى سباق على النفوذ لا على المحبة .فتبدأ الجمل الصغيرة:

«لماذا تزورهم كل أسبوع؟»

«أخوك لا يقدرك»

«أختك تتدخل في حياتنا»

ومع الأيام تتحول الكلمات إلى مسافات ثم إلى مناسبات ثم إلى أرقام هواتف لا يرن أحد عليها.

ولا تقف الخسارة عند هذا الحد فالخلاف لا يسرق الإخوة فقط بل يسرق أبناءهم أيضا.

فيكبر أبناء الأعمام والأخوال وهم لا يعرفون بعضهم إلا في المناسبات بعدما كان من الممكن أن يعيشوا طفولة واحدة ويكبروا كالإخوة. لكن الكبار دون أن يشعروا أورثوهم الخصومة بدل الذكريات والجفاء بدل صلة الرحم. إننا لا نورث أبناءنا المال وحده بل نورثهم شكل علاقاتنا أيضا.

ومن صور الحكمة التي تغيب عن كثير من الآباء والأمهات أن يؤجلوا الحديث عن أموالهم حتى يسبقهم الموت إليها. مع أن الإنسان ما دام حيا أقدر الناس على ترتيب أموره والنظر بعين الرحمة والعدل إلى أحوال أبنائه. فهذا ابن أنهكته الحياة وذاك من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج إلى من يؤمّن مستقبله وآخر فقدناه وبقي خلفه أطفال ينتظرون يدا تمتد إليهم. إن معالجة هذه الأحوال في حياة الوالدين بعدل وحكمة ووضوح ليست شأنا ماليا فحسب بل هي رسالة أخيرة تقول للأبناء: لا تجعلوا المال سببا لخسارة بعضكم.

فكم من أب ترك وراءه مالا كثيرا لكنه ترك معه أسئلة معلقة وشعورا بالغبن ونزاعات كان يستطيع أن يطفئها بكلمة أو بقرار حكيم أو بتدبيرٍ عادل وهو ما يزال بين أبنائه. فليست كل التركات التي تُقسم بعد الرحيل تُبقي القلوب مجتمعة أما الحكمة قبل الرحيل فهي أحيانا أعظم هدية يتركها الوالدان لأبنائهما.

الوالدان لا يكتبان وصيتهما بالحبر فقط بل يكتبانها بسلوكهما طوال العمر. فإذا عاش الأبناء سنوات يرون العدل خرجوا بعد وفاة والديهم يبحثون عن العدل. وإذا عاشوا سنوات يشعرون بالتمييز حمل كل واحد منهم إلى مجلس القسمة دفترا قديما من المظالم لا علاقة له بالمال لكنه ينتظر أول فرصة ليفتحه.

أتمنى لو أن كل أب قبل أن يكتب وصيته لتقسيم ممتلكاته يجلس مع أبنائه مرة واحدة فقط ويقول لهم:

«إذا اختلفتم بعدي فتذكروا أنكم آخر ما تبقى لبعضكم من هذا البيت»

فبعد رحيل الوالدين لن يبقى في الدنيا من يعرف طفولتك كما يعرفها أخوك

لن يبقى من يتذكر صوت أمك وهي تناديكم أو ضحكة أبيكم على مائدة العشاء أو تلك الحكايات التي لا يعرفها سواكم. الأخ ليس مجرد قريب إنه آخر شاهد على حياتك الأولى.

لهذا لا تربوا أبناءكم على النجاح فقط ،ربوهم على أن يفرح أحدهم لنجاح الآخر. ربوهم على أن الخلاف لا يقطع الرحم. ربوهم على أن الاعتذار لا ينتقص من الكرامة. ربّوهم على أن الزواج لا يُلغي الأخوة بل يضيف إليها أسرة جديدة وأن المصاهرة وُجدت لتبني الجسور بين العائلات لا لتقيم الأسوار بينها. وربوهم على حقيقة واحدة.

أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس ما يتركه في خزائنهم بل ما يزرعه في قلوبهم تجاه بعضهم . فالبيوت تُباع والأموال تُنفق أما الأخوة إذا ماتت فلن يحييها مال ولا عقار.

«نقضي سنوات نبني مستقبل أبنائنا وننسى أن نبني مستقبل علاقتهم ببعض»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد