: آخر تحديث

شقة المرسم.. الحكاية 22

5
5
5

خلال الفترة الممتدة بين منتصف السبعينات ونهاية التسعينات الميلادية، في زمنٍ لم تكن فيه المنصات الرقمية قد وُلدت بعد، ولم تكن الصورة قد طغت على كل شيء، جاء شريط الكاسيت ليغيّر شكل المشهد الفني والإعلامي. فقد استطاع أن يحمل صوت الأغنية السعودية إلى كل بيت وكل سيارة، مساهماً في إبراز الشعر والصوت الغنائي على نطاق واسع.

لم تعد الكلمات تمر مروراً عابراً، بل أصبحت تُحفظ وتُردد وتُعاد مراراً، مما منح الشعر حضوراً أكبر، وجعل الجمهور أكثر قرباً من النص وأكثر تذوقاً لمعانيه. وهكذا التقت الكلمة باللحن في مساحة أوسع، وصنعا معاً مرحلة ذهبية من الوعي الفني.

ولم يقف أثر الكاسيت عند حدود الأغنية، بل امتد ليشمل ظواهر أخرى، كان أبرزها الشريط الإسلامي، فقد استثمر الدعاة هذه الوسيلة بفاعلية، وقدموا من خلالها المحاضرات والخطب والدروس التي انتشرت في المساجد والمنازل والسيارات. وأصبح الكاسيت في تلك المرحلة وسيلة دعوية مؤثرة، يحمل الصوت الوعظي بالقوة نفسها التي يحمل بها الأغنية، بل ربما تجاوزها في بعض البيئات. وهكذا تحوّل إلى منبر إعلامي متعدد الاتجاهات، يجمع بين الفن والدعوة، وبين الطرب والتأمل.

كما كان للكاسيت دور بارز في انتشار الشيلات، خاصة ذات الجذور التراثية الشعبية، التي وجدت في هذا الوسيط مساحة للعبور إلى جمهور أوسع، فانتقلت هذه الألوان الصوتية من بيئاتها المحلية إلى فضاء أرحب، وأسهم الكاسيت في التعريف بها، وترسيخ حضورها كجزء من المشهد الصوتي في المنطقة.

وفي تلك الفترة، لم يكن التنافس مقتصراً على الأصوات الغنائية الزائرة لشقة المرسم بين حين وآخر، أمثال: حمد الطيار، ورابح صقر، وراشد الماجد، وسعد جمعة، وسلامة العبدالله، بل امتد أيضاً إلى اختيار النصوص الشعرية من شعراء المرسم، أمثال: محمد العثيم، ونايف صقر، وصنيتان المطيري.

وكان لكل شاعر ولكل فنان بصمته الخاصة من خلال الكاسيت، الذي أحدث نقلة نوعية في انتشار إنتاجاتهم، إلى جانب إنتاجات الفنانين والشعراء الآخرين في مختلف أنحاء المملكة، فلم تعد الإذاعة الوسيلة الوحيدة لسماع أعمالهم، بل أصبح بإمكان الجمهور اقتناء الأغنية وإعادة سماعها في أي وقت. هذا التحول منح الفنانين زوار المرسم انتشاراً أوسع، وفتح الباب أمام شركات الإنتاج للتعاون معهم، كما عزز روح التنافس، بعدما أصبح قياس النجاح مرتبطاً بمدى انتشار الأشرطة وتداولها بين الناس.

لقد كان الكاسيت، بكل بساطته، أداة تأثير هائلة، لا تحتاج إلى تقنيات معقدة ولا إلى قنوات رسمية، بل تعتمد على تداول الناس له ورغبتهم في الاستماع والمشاركة. كان الشريط ينتقل من يد إلى أخرى، ومن سيارة إلى أخرى، حاملاً معه أصواتاً وقصصاً ومشاعر صنعت ذاكرة جيل كامل.

واليوم، ومع كل هذا التطور التقني، ما زال الكاسيت يحتفظ بمكانته في الذاكرة، فلم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل زمناً كاملاً أسهم في تشكيل الذائقة، وفتح الأبواب، ومنح الأصوات حضورها. لقد كان شاهداً على ولادة وانتشار الأغنية، وصعود الشريط الإسلامي، وعبور الشيلات إلى جمهور أوسع، لذلك كان حضوره في المرسم محل ترحيب في كل وقت وحين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد