: آخر تحديث

هوس الوجاهة المستأجرة!

5
4
4

مؤسف أن تشاهد عينًا من أعيان المدينة أو علمًا من أعلام القبيلة، كيف يلهث خلف عدسات المصورين والمشاهير؛ وقد كان المشهد حزينًا ويدعو للشفقة، وأنا أشاهد أحد الذين لا ينقصه مال ولا جاه، يحضر مناسبة جالبًا معه عددًا من المصورين يرصدون كيف استقبله مضيفه، وكيف سار معه، وكيف أجلسه في صدر المجلس!

ظاهرة لا تجد لها تفسيرًا؛ إلا هوس الظهور، ونهم الحضور المزيف الذي فشل في فرضه بإرث عائلته ومكانته الاجتماعية، ولست هنا ألوم المصورين ولا المشاهير، فهذا مصدر رزقهم، لكن المشكلة أن هذه الظاهرة لا تخدع إلا صاحبها؛ فمع تكرار التصوير، وتكرار عبارات الإطراء، يبدأ في تصديق المشهد الذي صنعه بنفسه، ودفع تكاليفه؛ ثم يختلط عليه الفرق بين الاحترام الحقيقي، وذلك الذي اشتراه، ولا يبقى من هذه الدعاية السامجة إلا الحضور المسيء له ولتاريخ عائلته!

وجهاء وأعيان وشيوخ، تشاهد كيف يتحولون إلى مدمني فلاشات، يلاحقون عدسات المصورين، ويتداولون فيما بينهم مقاطعهم، والمدح الفارغ الذي يردده مصورون/ مشاهير، الجميع يعلم أنهم يتنقلون بين الموائد، ويتقلبون بين المجالس والمعازيب.. ولا أعلم كيف تفرح بعدسات يعلم الجميع أنك استأجرتهم ليمدحوك ويشيدوا بحضورك.. ثم ما هو موقف أبنائه وأقاربه، وهم يشاهدون كبير عائلتهم وقد أفلس، حتى لم يعد لديه إلا مال يدفعه لمصورين يشيدون بحضوره ووجاهته.

واللافت أن هذا الهوس يتحول مع الوقت إلى إدمان، فلا يعود صاحبه قادرًا على حضور عزيمة، أو مناسبة، أو مجلس، إلا إذا سبقته الكاميرات، وتبعته المقاطع.. والأسوأ أنه كلما تكررت هذه الجرعات، احتاج إلى جرعة أكبر؛ وعدسات أكثر، ومديح أطول، حتى يصبح أسيرًا لصورة صنعها بنفسه، ولم يعد يستطيع أن يعيش يومًا واحدًا خارجها.

هنا قد يظن البعض أن هذا السلوك مجرد حب للتصوير، لكنه في الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالنفس البشرية بطبيعتها تبحث عن التقدير، وعندما تعجز عن الحصول عليه بالإنجاز أو الأثر، تبحث عنه من خلال الدعاية.. وهي غريزة تدفع البعض إلى البحث عن التقدير بأي وسيلة، حتى لو كان تقديرًا "مدفوعًا" لا يعكس حقيقة مكانتهم!

الكثير من الوجهاء والأعيان اعتزلوا هذه المناسبات وأصحابها؛ خشية أن يُصوَّروا مع هؤلاء المهووسين، فيُصنَّفوا منهم، ولإدراكهم أن الوجاهة تُكتسب من السيرة، والعلم، والكرم، والإصلاح بين الناس.. وأن أصحابها الحقيقيين يتعففون عن طلبها، بل اعتادوا أن يحثوا التراب في وجوه المداحين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد