عبد الله سليمان الطليان
في كل عصر يواجه المجتمع أخطارًا يراها بوضوح فيسارع إلى مواجهتها، غير أن هناك أخطارًا أخرى تتسلل بصمت، حتى تصبح جزءًا من الحياة اليومية، فلا يلتفت إليها أحد إلا بعد أن تظهر آثارها في المستشفيات والمدارس والبيوت، وتنعكس على اقتصاد الدولة ومستقبل المجتمع. ومن أخطر هذه الظواهر في عصرنا الإفراط في قضاء الأطفال والمراهقين ساعات طويلة أمام الشاشات والألعاب الإلكترونية.
ليست المشكلة في التقنية ذاتها، فالتكنولوجيا من أعظم إنجازات الإنسان، وقد أصبحت ضرورة في التعليم والعمل والتواصل. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشاشة إلى عالم الطفل الوحيد، فيستبدل الحركة بالجلوس، واللعب في الهواء الطلق باللعب الافتراضي، والكتاب بالمحتوى السريع، والحوار الأسري بالتواصل مع شخصيات رقمية لا يعرفها.
تشير تقارير حديثة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال يقضون ساعتين أو أكثر يوميًا أمام الشاشات، بينما ترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ في عطلات نهاية الأسبوع. كما تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الخمول البدني أصبح من أبرز التحديات الصحية التي تواجه الأطفال في معظم دول العالم، وأن أنماط الحياة الرقمية تسهم في تراجع النشاط البدني وارتفاع معدلات السمنة بين الأجيال الجديدة.
والخطورة الحقيقية لا تكمن في الشاشة وحدها، بل في اجتماع ثلاثة عوامل قاتلة: الجلوس لساعات طويلة، وغياب النشاط البدني، والإفراط في تناول الوجبات السريعة والمشروبات السكرية أثناء اللعب. وهذا المزيج يهيئ الطريق للإصابة بالسمنة في سن مبكرة، ثم السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، وأمراض القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى ضعف اللياقة البدنية، وآلام العمود الفقري، وإجهاد العينين، واضطرابات النوم.
ولم تعد السمنة مجرد مشكلة تتعلق بالمظهر، بل أصبحت مدخلًا لسلسلة من الأمراض المزمنة التي قد ترافق الإنسان طوال حياته، وتحرم المجتمع من طاقات شبابه في أكثر سنوات العمر إنتاجًا.
ولا تقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية أيضًا. فالدراسات الحديثة تشير إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام الشاشات وبين ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية لدى بعض الأطفال والمراهقين، خصوصًا عندما يقترن ذلك بضعف العلاقات الأسرية أو التنمر الإلكتروني أو غياب الرقابة.
ويثار كثيرًا سؤال حول علاقة الألعاب الإلكترونية بالعنف أو الجريمة أو الانتحار. والإجابة العلمية تستوجب قدرًا من الدقة؛ إذ لا توجد أدلة تثبت أن الألعاب الإلكترونية تسبب هذه السلوكيات بصورة مباشرة، فالجريمة والانتحار ظاهرتان معقدتان تتداخل فيهما عوامل نفسية وأسرية واجتماعية واقتصادية عديدة. غير أن الدراسات تحذر من أن الإدمان الرقمي، إذا اقترن بالعزلة والاكتئاب واضطرابات النوم وضعف الاحتواء الأسري، قد يزيد من عوامل الخطورة لدى الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما يستدعي الانتباه المبكر، لا التهويل ولا الإنكار.
أما الأسرة، فهي الضحية الصامتة لهذه الظاهرة. فقد أصبح من المألوف أن يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة، بينما يعيش كل واحد منهم داخل عالمه الرقمي الخاص. تراجعت جلسات الحوار، وضعفت المشاركة الوجدانية، وغابت كثير من الأنشطة العائلية التي كانت تبني شخصية الطفل، وتغرس فيه قيم الانتماء والتواصل والاحترام. ومع مرور الوقت، تتراجع المهارات الاجتماعية، ويصبح التواصل الافتراضي أكثر سهولة من الحوار الحقيقي.
ويمتد التأثير إلى المدرسة أيضًا. فالدماغ الذي يعتاد الإثارة السريعة والمكافآت الفورية في الألعاب الإلكترونية يجد صعوبة في التكيف مع القراءة المتأنية، أو الدروس التي تحتاج إلى تركيز وصبر. ولذلك يحذر كثير من التربويين من أن الإفراط في الترفيه الرقمي قد ينعكس على التحصيل الدراسي، ويضعف القدرة على التفكير العميق، ويقلل من مهارات الإبداع وحل المشكلات.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو الجانب الاقتصادي، الذي كثيرًا ما يغيب عن النقاش العام. فالطفل الذي يعاني اليوم من السمنة قد يصبح بعد سنوات مريضًا بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب، وهي أمراض تحتاج إلى علاج مستمر، وأدوية دائمة، وتحاليل دورية، ومراجعات طبية لا تنتهي.
وتشير تقديرات الاتحاد العالمي للسمنة إلى أن التكلفة الاقتصادية العالمية لزيادة الوزن والسمنة قد تتجاوز أربعة تريليونات دولار سنويًا بحلول عام 2035 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ولا تشمل هذه التكلفة العلاج وحده، بل تمتد إلى انخفاض الإنتاجية، وزيادة التغيب عن العمل، والإحالة المبكرة إلى التقاعد، وما يترتب على ذلك من ضغوط متزايدة على ميزانيات الرعاية الصحية.
وهذا يعني أن القضية لم تعد شأنًا صحيًا فحسب، بل أصبحت قضية اقتصادية وتنموية. فكل طفل يُحمى اليوم من السمنة والخمول والإدمان الرقمي يمثل استثمارًا في مستقبل أكثر صحة وإنتاجًا، بينما كل حالة يمكن الوقاية منها ثم تُترك لتتطور إلى مرض مزمن تعني مزيدًا من الإنفاق على العلاج بدلًا من توجيه الموارد إلى التعليم والبحث العلمي والتنمية.
إن مواجهة هذا الخطر لا تعني إعلان الحرب على التكنولوجيا، ولا حرمان الأطفال من الأجهزة الذكية، فذلك أمر غير واقعي. المطلوب هو إعادة التوازن إلى حياة الطفل؛ بتنظيم وقت استخدام الشاشات، وتشجيع الرياضة، وإحياء ثقافة القراءة، وتعزيز الحوار الأسري، وتحسين العادات الغذائية، وتوفير بيئات مدرسية ومجتمعية تشجع على الحركة والنشاط.
إن أخطر ما في هذه القضية أنها لا تصنع أزمة آنية، بل تصنع مستقبلًا مختلفًا. فالجيل الذي يعتاد الخمول، ويضعف تواصله الاجتماعي، ويتراجع نشاطه البدني، قد يصبح جيلًا أكثر عرضة للأمراض المزمنة، وأقل إنتاجية، وأكثر احتياجًا إلى الرعاية الصحية. وعندها لن تكون الفاتورة صحية فقط، بل ستكون اجتماعية واقتصادية أيضًا.
لقد أصبحت حماية الأطفال من الإفراط في الشاشات مسؤولية وطنية، لا تقل أهمية عن حمايتهم من الأمراض المعدية أو من التسرب المدرسي. فالدول التي تنجح في بناء طفل صحيح البدن، سليم النفس، متوازن في استخدام التقنية، إنما تبني مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي. أما الدول التي تترك أطفالها أسرى للشاشات، فقد تكتشف بعد سنوات أن أخطر ما خسرته لم يكن وقتهم فقط، بل صحتهم، وقدرتهم على التعلم، وإنتاجيتهم، وتماسك أسرهم.
إن الجيل القادم هو الثروة الحقيقية لكل أمة، وإذا أردنا أن نحافظ على هذه الثروة، فعلينا أن نعيد الطفل إلى الملعب، وإلى الكتاب، وإلى أسرته، قبل أن تصبح الشاشة هي المربي الأول، والصديق الأقرب، والعالم الوحيد الذي يعرفه.

