: آخر تحديث

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

4
5
5

تغيَّر العالمُ خلال السنوات الماضيةِ بوتيرةٍ قد تفوق، دون مبالغة، العقود الثلاثة التي سبقتها، فالحروب ذاتُ الطابعِ المستدام؛ من غزةَ ولبنانَ إلى أوكرانيا إلى غرب أفريقيا، وتغول الإرهاب ضد الدول الهشة، وليس آخراً الحرب الإيرانية، كلها يعني تآكلَ النّظام الدوليّ القائمِ على القواعد التي نشأت بعد الحربِ العالمية الثانية.

ترابط النظام العالمي بالاقتصاد الدولي كانَ قوامُه التجارةَ وتدفقَ الطاقة وصعودَ التكنولوجيا تحولت إلى تحديات تتَّصل بالحفاظ على الاستقرار، بعد انتهاء عصر الحرب الباردة الذي كان يفترض أنَّ الازدهارَ شرطُه رأسماليةُ السوق والتنافس الذي سيحوّل العالمَ إلى نمط واحد.

منذ سقوط جدار برلين وبدء ما عرف بأحادية القطب بقيادة الولايات المتحدة، اعتقد خبراء السياسة أنها لحظة تقترب من نهاية التاريخ، لكن هجمات الحادي عشر من ستمبر (أيلول) 2001، وحرب العراق ثم أفغانستان والأزمة العالمية في 2008، والتي تلاها صعود الصين ثم حرب روسيا وأوكرانيا، كشفت عن أنَّها كانت لحظة البداية لخلل كبير في النظام الدولي، بسبب عدم التزام القواعد من قبل القوى الكبرى التي أسهمت في إنشائه وتكريسه والدعوة لاحترامه قبل أن تنكفئ عليه.

عالم اليوم ينتقل بشكل سريع من تعددية المصالح المشتركة، تحت مظلة النظام العالمي، إلى تعددية قطبية حادة تحكمها الصفقاتُ والمصالحُ الذاتية والتنافسُ بين القوى الكبرى، مع صعودٍ لقوى متوسطة فاعلة من شأنها ترجيح كفةِ اتجاه النظام العالم عبر تعاونها وتحالفاتها.

وإذا كانت الثلاثية التي سادت سابقاً في النظر إلى العالم قد تلاشت، فإنَّها تعود لكن بأشكال جديدة وثقل مختلف، فلم يعد الغرب العالمي الذي يضم الولايات المتحدة وأوروبا، قادراً على كبح جماح وصعود الشرق العالمي الذي تقوده الصين وروسيا ومن ورائهما الدول المتحالفة معهما، في حين أن بقية دول العالم الذي يوصم بشكل اختزالي ومتحيّز بالجنوب العالمي ومن الشرق الأوسط، أصبح اليوم رمانة الميزان، لأنه يحتوي على أكبر احتياطيات وموارد بالعالم، إضافة إلى عدد السكان، والأهم القوى الصاعدة التي ستسهم في تشكيل ملامح النظام المقبل.

لا يستطيع الغرب العالمي اليوم أن يكسبَ بقية العالم بشعارات الديمقراطية والحريات، وما إليها التي تتعرض في أعرق الدول التي تمثلها إلى مساءلات نقدية جادة، وهي أيضاً لا تستطيع احتواء تعاظم القوى الصاعدة التي تسعى إلى تنويع شراكاتها وحماية مصالحها والترقي بهدوء في التأثير على صنع القرار العالمي.

المعضلة الحقيقية هي في غياب المؤسسات الدولية وتآكلها؛ إذ لم تتغير ولم تتطور بالقدر الذي يسهم في إدارة موازين القوة؛ مجلس الأمن لا يزال مشلولاً بحق النقض، ومنظمة التجارة الدولية هشة، وصندوق النقد والبنك الدولي يتعرضان لكثير من النقد، عطفاً على الأوزان السياسية في مقابل الدعم الاقتصادي والتمويل، ومن هنا فإنَّ بقية العالم خارج العالمين الغربي والشرقي أصبح رهينَ تحالفات متغيرة، وانكفاء على الذات، وتدعيم الاستقرار من خلال الانفاق الدفاعي ومشاريع تنمية الداخل والاستثمار.

فرصة العالم الغربي اليوم خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، في إعادة تقييم دوره بشكل واقعي ومتوازن، مع التركيز على حقائق أولية: سيادة الدول وسلامة أراضيها، وسيادة القانون والاعتراف بتنوع الثقافات والأنماط السياسية والالتزام بالمصالح المشتركة.

دون هذه الواقعية فإنَّ العالم سيظل مرهوناً بالفوضى وحالة اللايقين التي لا يمكن التعايش معها، حتى في ظل تحول مفهوم الحروب اليوم، لا سيما مع ما يمكن تسميته «تأثير القوى الفاشلة»، سواء كانت دولاً أو ميليشيات، حيث تسهم بشكل كبير في تقويض الأمن بتكلفة رخيصة، وقدرة على البقاء من خلال اقتصاد موازٍ، وفي ظل عدم رغبة القوى الكبرى، أو حتى المؤسسات الدولية في حمل عبء التصادم معها.

الحروبُ العالقة والقضايا المصيرية في منطقة الشرق الأوسط هي من ستعيد شكلَ العالم الجديد في العشر سنوات المقبلة، ومن خلال المساهمة في توازن العلاقة بين القوى الكبرى المتصارعة لبناء نظام دولي جديد مبني على الشراكات والمصالح والتنافس العادل، على نحو يشبه ما رأيناه بالأمس من قدرة التنافس في لعبة كرة القدم وكأس العالم على تجاوز التحيّزات ومحاولات المحاباة والتدخل.

في مقال فريد في هذا الجانب عنوانه «قصر الأحلام الغربي» لوزير خارجية سنغافورة الأسبق والعالم السياسي الشهير كيشور محبوباني، شبَّه العالمَ القديم بقصرٍ يسكنُه الغربيون وهم لا يزالون يحاولون التمسكَ بامتيازاته (القيم والمبادئ الدولية) مع إهمال الشقوقِ في الجدران والخرائب خارجَ القصر؛ حيث العالمُ تغير إلى الأبد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد