* * *
ثم بدأت، بنظري، حرب الاستقلال، الأمريكية الثانية، والأصعب يوم 7 أكتوبر 2023، وهذه المرة من إسرائيل. ويحمل لواءها مجموعة من المفكرين والإعلاميين والفنانيين، والسياسيين الكبار، والشخصيات الأمريكية التي تنتقد الصهيونية، أو تعارض استمرار التحالف، غير العادي معها، والذين يتزايد عددهم يوماً عن يوم، وبينهم نسبة لا بأس بها من اليهود، المعادين للمشروع الصهيوني بصورته الاستيطانية المعاصرة، من أعضاء في الكونغرس، ممن وقعوا على مطالبات تدعو ترامب لتعليق أو تقييد نقل السلاح لإسرائيل، وبينهم نانسي بيلوسي، والجمهورية مارجوري تايلور غرين. كما أصبحت أغلبية الأمريكيين، من ديموقراطيين ومستقلين، تعارض إرسال مزيد من المعونات العسكرية لإسرائيل. ومن الشخصيات المعروفة التي تعلن مواقف واضحة مؤيدة للفلسطينيين وناقدة للصهيونية السياسية ومطالِبة بوقف الدعم الأمريكي عدد من ممثلي هوليوود مثل خافيير بارديم. كما هناك البرفيسور جون ميرشايمر، الذي يعتبر إسرائيل «عبئاً ثقيلاً حول أعناق الأمريكيين». وأيضا البروفيسور اليهودي نورمان فينكلشتاين، المعروف بمواقفه الصلبة ضد الحركة الصهيونية، والعادلة مع الشعب الفلسطيني. ويقول جان كيرياكو، خبير الـCIA السابق: إن أمريكا تعطي إسرائيل 95% من أسرارها العسكرية، وتقوم إسرائيل بسرقة الـ5% الباقية. وأنه بإمكان إسرائيل أن تقوم بأي عمل إجرامي، سواء كان في غزة أو لبنان أو إيران، وستدين ذلك مختلف الجهات الدولية، وتصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامرها بالقبض على نتانياهو وغيره، ولكن ستكون أمريكا على استعداد لتوفير الحماية التامة له. وقال إن من أولى النصائح التي قدمت له خلال عمله وكالة المخابرات، عدم السماح للإسرائيليين بدخول مبنى الوكالة، وعدم قبول أي هدية منهم، لأنها غالباً ما تكون أداة تجسس، ومع علم الجميع تقريباً بما يحدث إلا أنه لا رئيس أمريكياً حاول القيام بشيء لوقف هذا الابتزاز. وأن هناك أكثر من 150 جاسوساً إسرائيلياً منتشرون في أمريكا، وبالذات حول شركات صناعة الاسلحة.
ويزعم البروفيسور والخبير السياسي والاقتصادي الدولي جيفري ساكس أن الولايات المتحدة كانت متواطئة بشكل مباشر في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وقامت نيابة عن إسرائيل، بكل حروب المنطقة في العراق وسوريا وإيران واليمن وليبيا وغيرها، وأن إسرائيل لا تستطيع القتال ليوم واحد دون دعم أمريكي، وإن هذه العلاقة يجب وقفها، فلم يكن لأمريكا مصلحة مباشرة في كل تلك الحروب.
بعد إطلاق سراح جوناثان بولارد أخطر جاسوس أمريكي عمل لمصلحة لإسرائيل، وتم ذلك خلال السنة الأخيرة من ولاية ترامب الأولى، بعد 30 عاماً في السجن، اختار بولارد الهجرة لإسرائيل، وكان في استقباله في المطار نتانياهو، حيث وصل على طائرة خاصة تعود لملياردير أمريكي يهودي. لم يكن بولارد جاسوساً عادياً، بل خطيراً، فقد زود الروس معلومات قيمة، مقابل السماح لمزيد من اليهود الروس بالهجرة لإسرائيل. كما زود إسرائيل معلومات نووية خطيرة. لذا عارض خمسة رؤساء أمريكيين إطلاق سراحه، إلى أن جاء ترامب وأصدر عفواً عنه!
ومن المعروف أن «إيباك»، أو اللوبي الصهيوني الفعّال بقوة في أمريكا، يقوم سنوياً بدفع مبالغ كبيرة لأعضاء الكونغرس، باستثناء قلة قليلة، ترفضها. وتقوم «إيباك» بترتيب رحلات سنوياً للعديد من أعضاء الكونغرس لزيادة الأراضي المقدسة.
من جهة أخرى، يقول الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون: لماذا نخشى من القول إن جيفري إبستين كان يعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي؟! لماذا نخاف من ذكر كلمة إسرائيل؟! وكان يشير إلى ضرورة اعتبار فضيحة إبستين الخطوة الأولى للانتفاض ضد الهيمنة الصهيونية على أمريكا، وسيطرتها على مؤسسات ومراكز صنع القرار.
يشير تحليل لمجلة «فورين بوليسي» إلى أن المساعدات العسكرية الأمريكية الطويلة الأمد لإسرائيل، التي كانت تُعتبر في السابق من المحظورات، باتت الآن غير مؤكدة سياسياً، لكن هذا لا يعني قطعها، ففي عام 2016، التزمت أمريكا أن تقدم لإسرائيل حوالي ٣.٨ مليارات دولار سنويًا مساعدات عسكرية حتى عام 2028؛ ولا يزال هذا الاتفاق ساريًا. وبات مستقبل هذه الحزم الضخمة من المساعدات موضع تساؤل، مع تزايد الشكوك لدى نواب الحزبين في واشنطن حول الدعم غير المشروط لإسرائيل.
أحمد الصراف

