: آخر تحديث

فتح هرمز: تصدّع الداخل وبداية التحول

6
5
5

تفتح طهران مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة، فيما تعلن واشنطن استمرار الحصار البحري وتربط أي انفراج بوقف تخصيب اليورانيوم. لا يمكن قراءة هذا التزامن كوقائع منفصلة. هنا يتشكل مشهد واحد تتحرك فيه الشروط الأميركية إلى الأمام، وتتراجع فيه طهران خطوة إلى الخلف. وفي هذا الإطار، لا يبدو فتح هرمز إجراءً تقنيًا، بل أقرب إلى استجابة عملية لضغط بلغ ذروته.

يأتي هذا التحول بعد مواجهة عسكرية ثقيلة أعادت اختبار بنية القوة الإيرانية وكشفت كلفة التصعيد وحدود أدواته. لا تتوقف آثار تلك المواجهة عند حدود الميدان، بل تمتد إلى طريقة اتخاذ القرار نفسه، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية تتقدم على استعراض القدرة على الردع.

يفقد مضيق هرمز، في هذا السياق، جزءًا من وظيفته التقليدية كأداة ضغط. لم يعد التلويح بإغلاقه يحمل الوزن ذاته بعد أن تغيّرت معادلة الكلفة، وتقلصت قدرة استخدامه كورقة مفتوحة.

يتعزز هذا المسار مع خطاب أميركي أكثر صراحة. يثبّت ترامب معادلة واضحة: حصار مستمر مقابل تنازلات جوهرية، وفي مقدمتها ملف التخصيب النووي. لا يترك هذا الطرح مساحة رمادية كبيرة، بل يدفع طهران إلى التعامل مع معادلة مباشرة بين تخفيف الضغط وتعديل السلوك الاستراتيجي.

أمام هذا الضغط المركب، لا يتحرك الداخل الإيراني بوحدة صلبة. يتسع تباين في التقدير داخل دوائر الحكم، فرضته نتائج المواجهة وتضييق الخيارات. يدفع تيار نحو تقليل الخسائر واحتواء الضغوط، ويقرأ فتح هرمز كخطوة ضرورية لالتقاط التوازن. في المقابل، يتمسك تيار آخر بمنطق الردع، لكنه يواجه واقعًا تراجعت فيه فعالية أدوات القوة، وتقلصت فيه القدرة على فرض الإيقاع.

ينعكس هذا التباين في شكل القرار النهائي. تختفي الخيارات الأكثر حدّة، وتُستبدل بصيغ أقل تصعيدًا، ويُعاد ضبط السلوك السياسي بما يتناسب مع واقع جديد. لا يظهر الخلاف في خطاب معلن، لكنه يُقرأ في الفارق بين ما كان ممكنًا في السابق وما يُعتمد اليوم.

يتكامل الضغط الخارجي مع هذا التحول الداخلي. تستمر العقوبات، ويتشدد الحصار، وتُربط كل مسارات التهدئة بشروط تتجاوز الاقتصاد إلى جوهر البرنامج النووي. ومع هذا التداخل، تتقلص قدرة طهران على المناورة، وتتحول الأولويات من توسيع النفوذ إلى إدارة الخسارة.

لا تعلن الأنظمة الثورية عادة لحظات التحول بهذه الصراحة. لا اعتراف بتراجع، ولا إعلان عن تغيير في العقيدة. لكن السلوك يكشف ما هو أعمق من الخطاب: فتح المضيق، وخفض في سقف المواجهة، وانتقال تدريجي من منطق فرض الشروط إلى منطق التعامل معها.

بهذا المعنى، لا يمثل فتح هرمز مجرد قرار عابر، بل يكشف لحظة مفصلية داخل النظام الإيراني. لحظة تتقاطع فيها نتائج المواجهة العسكرية مع ضغط سياسي غير مسبوق، ويظهر فيها تصدّع داخلي حول كيفية التعامل مع واقع جديد لم تعد فيه أدوات القوة تعمل بالفاعلية نفسها، ولم يعد فيه القرار يتحرك بالثقة ذاتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.