: آخر تحديث

الحروب صراع عسكري واختبار للولاء ومقياس للوطنية

3
4
3

الحروب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت اختبارًا كاشفًا لمفاهيم الولاء والعمالة، ومقياسًا للوطنية، وهي المختبر القاسي الذي تذوب فيه الشعارات وتظهر فيه المعادن الحقيقية، وهي اللحظة الفاصلة التي تتحول فيها المصطلحات من مجرد أفكار نظرية إلى مواقف مصيرية، وفي مثل هذه اللحظات الفارقة تذوب كل الخلافات، ويبقى الولاء للوطن هو البوصلة الوحيدة التي توجه الجميع للوقوف صفًّا واحدًا، ليس لمجرد موقف سياسي، بل هو واجب أخلاقي ووجودي لحماية السيادة والمكتسبات ضد أي تهديدات خارجية تستهدف أمن واستقرار الوطن وسيادة أراضيه.

فالولاء للوطن والاصطفاف خلف قيادته يتجاوز مجرد الشعور بالانتماء ليصبح استعدادًا للتضحية بالمصالح الشخصية وحتى بالحياة في سبيل بقاء الوطن، في هذه اللحظات المصيرية يظهر المعدن الحقيقي للمواطنة الصادقة، والالتفاف حول القيادة ليس مجرد خيار، بل هي غريزة بقاء وحماية للبيت الكبير الذي يجمع الجميع، هذا الموقف يقطع الطريق على أي مراهنات خارجية تسعى لاستغلال الثغرات أو تشتيت الجبهة الداخلية.

أمَّا العمالة فتظهر كأخطر ثغرة في جدار الأمن القومي، فهي ليست مجرد خيانة معلومات أو موالاة للعدو، بل هي طعنة في الظهر غالبًا ما تكون مدفوعة إما بدوافع أيديولوجية أو بخلل في البوصلة الفكرية وضعف الوطنية، والوطنية في السلم قد تكون كلمة أو احتفالًا، لكنها في الحرب تصبح فعلًا يُقاس بمدى الصمود والقدرة على تحمل التبعات والوقوف في الصفوف الأمامية في مختلف القطاعات العسكرية والمدنية وحتى المجتمعية، والتاريخ يُعلمنا أن الدول لا تسقط دائمًا بسبب قوة العدو الخارجي، بل أحيانًا بسبب انهيار هذه المفاهيم في الداخل، والحروب دائمًا ما تكشف الخيط الرفيع بين المعارضة التي تسعى للإصلاح من الداخل وبين العمالة التي تستقوي بالعدو، وقد أثبتت التجارب والقصص المستخلصة من الحروب التي شهدها العالم أن من يبرر دخول المحتل لبلاده بذريعة إسقاط نظام الحكم ينتهي به الأمر كأداة هدم لا كبديل وطني، فالقوى الخارجية لا تقدم المساعدة مجانًا، والمعارضون الذين تحالفوا مع المحتل اكتشفوا أنهم مجرد واجهات مؤقتة تم التخلص منها أو احتقارها بمجرد انتهاء حاجتهم، حيث لا يثق المحتل بمن خان أهله.

الذاكرة التاريخية لا ترحم، والشعوب بعد انتهاء الحرب تستعيد سيادة أوطانها وإن تكبدت خسائر جراء الحرب، وكان الثمن الذي دفعه المصطفون ضد أوطانهم هو النبذ الأبدي والوصم بالخيانة، ولم يُنظر إليهم كأصحاب وجهة نظر سياسية، بل كتهديد لوجود الدولة ككيان، مما جعل مصيرهم الإعدام أو النفي المعنوي، والعدو دائمًا ما يعتمد على الثغرات الداخلية.

يُقال إن الصمت في إدانة عدوان الخارج هو بحد ذاته خيانة للوطن، أقلام وأصوات المعارضة الداخلية التي كانت تمتهن معارضة الحكومة في كل شاردة وواردة صمتت صمت القبور في إدانة واستنكار العدوان الخارجي الذي تعرض له الوطن، وهذا الصمت ما هو إلا انكشاف الأجندات وتعري المواقف لمن يطلقون على أنفسهم معارضة، فحين يتجاوز الأمر نقد الأداء الحكومي إلى استهداف كيان الدولة يجد البعض صعوبة في تبرير مواقفهم، وهذا يؤكد ارتباط تلك الأصوات بجهات لا يخدمها الدفاع عن استقرار الوطن في تلك اللحظة، التزام الصمت في لحظة الاختبار الحقيقي غالبًا ما يُسقط ورقة التوت عن الشعارات الرنانة التي كانت تُرفع سابقًا.

الفجوة بين الحماسة للمعارضة وبين الموقف الوطني وقت الأزمات، هذا التباين غالبًا ما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية، وما إذا كانت المعارضة تهدف للإصلاح أم أنها مجرد أدوات لمصالح أخرى، وهذا الصمت ناتج عن انحياز مقصود ضد استقرار الدولة، وهذا يضع هذه الأصوات في خانة الأدوات التي تُستخدم لزعزعة الاستقرار الداخلي بتوجيه خارجي وليس بدافع النقد البنَّاء، فعندما يتحول النقد من محاولة للإصلاح إلى صمت مريب وقت العدوان، فإنه يكشف بوضوح أن بوصلة هؤلاء لا تتجه نحو مصلحة الوطن، بل نحو تنفيذ أجندات تخدم المعتدي، وهذا النوع من المواقف هو ما يعزز قناعة الشارع بضرورة الالتفاف حول قيادته ورفع مستوى الوعي تجاه الحرب النفسية والإعلامية التي تُشن بالتوازي مع التهديدات العسكرية.

عملية التعرية الحقيقية لهذه الفئة لا تأتي فقط بالهجوم المضاد، بل بوضعهم أمام مرآة مواقفهم المتناقضة، فالشخص الذي يملأ الدنيا ضجيجًا حول قرارات الدولة وسياساتها ثم يصمت صمت الصخور حين يتعرض وطنه لتهديد عسكري مباشر هو في الحقيقة لا يهتم بمصلحة الوطن والمواطن، بل يسعى لتهيئة التربة لزعزعة الاستقرار، كذلك أصحاب المنطقة الرمادية أو المواقف الهلامية، هؤلاء هم الأخطر على الوطن، ولقطع الطريق على هؤلاء لا بد من صناعة الوعي المستمر، فالتحدي الأكبر هو تحويل التفاف الشعب خلف قيادته وقت الأزمة إلى ثقافة وطنية ثابتة تُدرك أن أمن الوطن هو الضمانة الوحيدة للبقاء، ولاستقرار ورخاء الوطن واستدامة عجلة التنمية وضمان حياة كريمة لكل مواطن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.