في السابع من نيسان (أبريل) الجاري اقتحمت مجموعة مسلحة قنصلية دولة الكويت الشقيقة في مدينة البصرة العراقية، وتعرّضت القنصلية للتخريب والاعتداءات السافرة على حرمة البعثة الدبلوماسية، وقد أعربت دولة الكويت في بيان صادر عن وزارة الخارجية عن إدانتها واستنكارها البالغَيْن، وبأشد العبارات، لأعمال الاقتحام والتخريب التي استهدفت القنصلية، واصفةً إياها بالانتهاك غير المقبول والتطور الخطير للأعراف والمواثيق الدبلوماسية، مؤكدةً أن هذه الأفعال تمثّل خرقًا جسيمًا وصارخًا لالتزامات جمهورية العراق الدولية، وعلى وجه الخصوص أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، ولا سيما المادة (31) التي تُلزم الدولة المضيفة بضمان الحماية الكاملة لمقار البعثات القنصلية وصون حرمتها، وحمّلت دولة الكويت حكومة جمهورية العراق المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذا الاعتداء، وعن أي تقصير في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البعثات الدبلوماسية والقنصلية على أراضيها، وطالبت الخارجية الكويتية الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لمحاسبة جميع المتورطين في هذه الأعمال الإجرامية، وضمان عدم تكرارها، مع اتخاذ تدابير مشددة لحماية كافة مقار بعثات دولة الكويت في جمهورية العراق، وقد أعادت الكويت، عبر بيان خارجيتها، تأكيدها بأنها ليست طرفًا في أي نزاع إقليمي أو دولي، وأنها لم ولن تسمح باستخدام أراضيها لشنّ هجوم على أي دولة، تماشيًا مع سياستها الخارجية القائمة على الاعتدال والحياد الإيجابي والتزامها بمبادئ وقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، منوّهةً بأن استمرار مثل هذه الانتهاكات من شأنه أن ينعكس سلبًا على العلاقات الثنائية بين البلدين ويقوّض أسس الثقة المتبادلة، مؤكدةً بأن دولة الكويت ستتابع هذا الأمر عن كثب، ولن تتهاون في اتخاذ ما يلزم من خطوات لحماية مصالحها وبعثاتها الدبلوماسية وفقًا للقانون الدولي.
في الحقيقة إنه حدث مؤسف في الأحوال العادية، فضلاً عن الظروف الإقليمية غير العادية التي تمرّ بها المنطقة، وأكثر ما آلمني هو مشهد أحد الغوغائيين الذين اقتحموا القنصلية الكويتية وهو يزيل علم دولة الكويت الشقيقة من على رأس السارية ويرميه أرضًا، ما جعلني أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب كمية هذا الحقد الأعمى تجاه الكويت؟! بالرغم من أن الكويت هي أول دولة استضافت مؤتمرات لإعادة إعمار العراق بعد زوال حكم حزب البعث العراقي عام 2003، كما كانت الكويت أحد أهم الداعمين لاستضافة العراق مؤتمر القمة العربية في آذار (مارس) عام 2012، إمعانًا في دعم عودة العراق إلى الحضن العربي، وترأس الوفد صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت في ذلك الحين، رحمه الله، حيث كان القائد الخليجي الوحيد الذي حضر أعمالها، ولم يدّخر سموه، رحمه الله، وسعًا أو جهدًا عبر مختلف القنوات الدبلوماسية وعلاقاته الدولية واسعة النطاق إلا وقام به في سبيل إعانة العراق لكي ينهض من جديد، ومحو آثار الماضي الذي عصف بالعلاقات الثنائية والعالم العربي أجمع في صيف عام 1990، لكن على ما يبدو أن الكويت قد أكرمت من ظنّته كريمًا، وأثبتت الأيام بأنه عكس ذلك تمامًا.
كم هو مؤسف أن دولة عربية بحجم جمهورية العراق لا تزال ترزح تحت الوصاية الإيرانية، وغير قادرة حتى على كبح جماح المليشيات العراقية ومجاميعها الغوغائية التي لم تنفكّ عن التماهي مع طهران منذ نشأتها حتى وقتنا الحاضر، بل زاد مع بداية الحرب في نهاية شباط (فبراير) الماضي، فبات العراق شريكًا لإيران في توجيه المسيّرات لدول الخليج! هل بات مسمّى "جمهورية الموز" الذي أطلقه الزميل البحريني الأستاذ جعفر سلمان على العراق في سياق حوار تلفزيوني قبل فترة وجيزة واقعًا مُرًّا يتعامى عنه العراقيون؟! ماذا بقي من هيبة الدولة عندما تقف عاجزة عن حماية البعثات الدبلوماسية؟! وكيف يقبل أركان هذه الدولة أن تُكسر كلمتهم على يد فصائل مسلحة تابعة لدولة أخرى؟! ما أكثر التساؤلات التي تطرح نفسها ولا تجد لها جوابًا، مع صادق الأمل بأن يعود للعراق قراره بعيدًا عن إيران.


