: آخر تحديث
هدنة لن تصل إلى مفاوضات لإنهاء الأزمة:

هكذا تريدها واشنطن: لا حرب ولا سلام

2
2
1

فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية لم يكن مفاجئًا لأحد يفهم طبيعة اللعبة أصلًا. من البداية لم يكن هناك مشروع اتفاق حقيقي، بل إدارة متعمدة لصراع طويل يُراد له أن يبقى مفتوحًا، مضبوط الإيقاع ومفيدًا عند الحاجة.

كل الحديث عن "فرص ضائعة" أو "مفاوضات فاشلة" هو تبسيط مريح لواقع أكثر قسوة: لا أحد كان يريد إغلاق الملف فعليًا بالشكل الذي يعلنه في الخطابات.

ما معنى ذلك؟ المفاوضات هي أفضل الطرق المطاطية لإطالة أمد المحادثات ولعبة المد والجزر، هي استراحة محارب لكلا الطرفين، وأكبر مثال على ذلك المفاوضات التي استمرت لسنوات بين الترك والفرس، وعليه، الولايات المتحدة لا تبحث عن تسوية نهائية تعيد ترتيب الشرق الأوسط، بل عن حالة ضغط دائمة على إيران لمنعها من التحول إلى قوة منفلتة، وفي الوقت نفسه تمنع الانفجار الكبير الذي لا يمكن السيطرة عليه. أي إنها تريد خصمًا مرهقًا، لا مهزومًا ولا منتصرًا.

إيران، بالمقابل، لا تدخل هذه الطاولة بحثًا عن تنازلات تقنية أو حلول وسط، بل عن تثبيت معادلة واحدة: الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. وهذا وحده كفيل بتفجير أي وهم اسمه "اتفاق شامل".

المشكلة أن كثيرًا من التحليل ما زال يتعامل مع الطاولة وكأنها مركز القرار. بينما الحقيقة ما هي إلا مجرد مسرح. عرض سياسي لا أكثر.

أما القرار الحقيقي فيُكتب في مكان آخر تمامًا: في قواعد الاشتباك غير المعلنة، في التحركات العسكرية، في إعادة توزيع النفوذ، وفي الاقتصاد الذي يُستخدم سلاحًا يوميًا.

ما يحدث فعليًا لا يُحسب على مفهوم التفاوض حتى، ما هو إلا إدارة صراع بلا اسم رسمي. لا أحد يريد حربًا شاملة لأنها مكلفة وخارجة عن السيطرة، ولا أحد يريد سلامًا حقيقيًا لأنه يعني خسارة أوراق القوة الأساسية. لذلك تم اختراع منطقة وسط قاتلة: لا حرب، ولا سلام، فقط استنزاف مستمر.

ما الدليل على هذا الكلام؟

أميركا اغتالت:

علي خامنئي: المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. عزيز نصير زاده: وزير الدفاع الإيراني. محمد باكبور: قائد الحرس الثوري الإيراني. علي شمخاني: الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للأمن القومي. علي لاريجاني: أحد أركان النظام الإيراني، غلام رضا سليماني: قائد قوة الباسيج. أبو القاسم بابائيان: رئيس أركان مقر خاتم الأنبياء المركزي. صالح أسدي: مسؤول استخباراتي. محمد شيرازي: رئيس مكتب المرشد للشؤون العسكرية. حسين جبل عامليان: باحث في مجالات دفاعية.

ومع كل تلك الاغتيالات ما زالت تجلس على طاولة تستطيع قصفها في ثوان بعد خروج الصف الأول من القادة، يعني استنزافًا مع بقاء دولة، لكن دولة ضمن مواصفات أميركية.

واشنطن تضغط، وتراقب، وتستنزف. وطهران تمتص الضغط، وتعيد تدوير نتائجه في نفوذ إقليمي متشعب.

والنتيجة ليست تراجع أحد، بل إعادة تشكيل شكل الصراع نفسه. هكذا يصبح الفشل ليس نتيجة سوء تفاوض، بل نتيجة طبيعة الصدام نفسه.

العقوبات على إيران لم تعد أزمة قابلة للحل السريع، بل تحولت إلى بيئة دائمة خدمت نظام الملالي، إذ تم توظيفها داخليًا لتثبيت السلطة عبر خطاب "العدو الخارجي"، واقتصاديًا نشأت منظومة موازية خارج النظام الطبيعي: التفاف، وتهريب، وأسواق ظل. ليس اقتصاد دولة طبيعية، لكنه أيضًا ليس اقتصاد انهيار. إنه اقتصاد يتعايش مع الحصار ويستفيد منه أحيانًا.

وخارجيًا، لم تنتج العزلة عزلة فعلية، بل أعادت توزيع النفوذ في أكثر من ساحة، بطريقة تجعل الضغط نفسه جزءًا من أدوات القوة وليس العكس.

أي عزلة والأموال والعتاد يصلان إلى العراق ولبنان والحوثيين، وكأن الأقمار ومراكز الحوالات تعمى عند الأموال الإيرانية!

وهنا تكمن المفارقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: كلما زاد الضغط، لم تتوقف الحركة، بل تغير شكلها فقط.

ومع غياب أي اتفاق حقيقي، واستمرار العقوبات والتوتر، يصبح "الفشل" نفسه هو الحالة الطبيعية. لا حرب شاملة لأن كلفتها جنونية، ولا سلام لأن شروطه غير موجودة، ولا تسوية لأن أي تسوية تعني إعادة توزيع جذري للقوة.

وبالتالي نحن لا نتحدث عن أزمة مفاوضات. نحن نتحدث عن نظام صراع مكتمل.

ماذا يعني؟ يعني تصعيدًا محسوبًا، ورسائل نارية، وضربات محدودة، وضغطًا اقتصاديًا خانقًا، وقنوات خلفية تعمل بلا توقف. هذا ليس خللًا في النظام، هذا هو النظام نفسه.

والأخطر من كل ذلك أن الطرف الذي يدفع الثمن الحقيقي ليس واشنطن ولا طهران، بل الإقليم كله. دول تُدار حياتها على إيقاع التوتر، واقتصادات تتحرك داخل هامش الخوف، وشعوب تتحمل نتائج صراع لم تُدعَ حتى إلى طاولته.

في النهاية، لا يوجد فشل تفاوضي بالمعنى التقليدي. هناك شيء أكثر صراحة وأقل رومانسية: إدارة واعية لصراع لا يريد أحد إنهاءه بالشكل الذي يطلبه الطرف الآخر.

واشنطن لا تريد إغلاق الملف لأنها ستخسر أدوات ضغط مهمة. وطهران لا تقبل إغلاقه لأنها ستخسر موقعها الذي بنته تحت النار. وبين الاثنين، تُدار المنطقة كأنها مساحة تشغيل مفتوحة لصراع دائم.

والنتيجة النهائية بسيطة ومخيفة في آن واحد:

ليس الهدف إنهاء الصراع، بل التأكد أنه لا يخرج عن السيطرة. وهكذا يتحول الفشل من خبر سياسي إلى حقيقة ثابتة: صراع مستمر بلا نهاية، لأن نهايته ببساطة غير مطلوبة من أي طرف يملك القدرة على إنهائه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.