ما زال الرئيس دونالد ترمب على سلوك جديد لم يألفه، بهذه المفردات العليائية، مجتمعُ أصحاب القرارات ذات الأهمية القصوى. ويتمثل السلوك غير المألوف في أن رئيس الدولة العظمى يخاطب مَن لا يجاري هواه الاستحواذي، وكأنما هو في مقهى مع شلة من الأصدقاء يحبون ما يقوله لهم عن مهمات قام بها، أو إنه يستهدف من جلسة المقهى هذه إظهار مقامه أمام هؤلاء بأنه شخص غير عادي.
هذا التشبيه طالما لمسناه، وما زلنا نسمعه في مناسبات كلامية قالها الرئيس ترمب عن مغامرته الإيرانية، شريكاً بالمناصفة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي طالما، لدواعٍ شخصية لا ندريها، يسميه "بيبي". والمفردات المشار إليها كانت عموماً من خلال مقابلات صحافية وتلفزيونية، أو عندما يزوره مسؤولون دوليون يكون اللقاء به مبعث ارتياح، إلا أنهم يخرجون من اللقاء مصدومين بتعليقات غير مستحبة صدرت عنه، وفي ثناياها الإقلال من شأن دولة هذا الزائر أو دولة تلك الزائرة.
بقي هذا انطباعنا كمتابعين لأقوال الرئيس ترمب وأفعاله، إلى أن خاطب الشعب يوم الأربعاء الأول من نيسان، لمناسبة بدء الشهر الثاني من حربه ضد إيران، وتوصيف هذه الحرب بأنها "الغضب الملحمي".
واللافت أن الخطاب جاء على خلفية استفتاءات شعبية ليست لمصلحته، فضلاً عن مواقف من جانب كبار "الحزب الديمقراطي" في مجلس الشيوخ وفي مجلس النواب.
كما أنه جاء فيما "حلف الناتو" يواجه احتمال تصدع نتيجة حرب الرئيس ترمب ضد إيران، التي خاضها من دون التشاور مع أوروبيي الحلف، الأمر الذي جعله كالأسد الجريح أمام العالم، وأنه منقوص المؤازرة الفاعلة الأوروبية من أشبال الحلف. ثم يفاجأ عشية خطابه الذي أراده فعل قوة لما فعل، بأن كبار الشأن في الحلف (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا) يعلنون على الملأ تبرؤهم من الذي اقترفه ترمب، ويقول كبير الدول الأربع رئيس الحكومة البريطانية ستارمر، قبل ساعات من خطاب ترمب، وبعبارات حاسمة: "لا علاقة لنا بحرب ترمب على إيران". وهذا رفع منسوب غيظه.
في خطابه كان هنالك بعض الفكاهة، ربما يريد منها إبهاج نفوس الشعب الأميركي الذي يعيش، بشكل ما، تداعيات المغامرة الترمبية، التي أكثرها استهجاناً أنه خاضها بالشراكة مع إسرائيل نتنياهو، وهذا أضعف سمعة أميركا وشأنها لدى شعوب العالم.
كما حوى الخطاب الكثير من التعظيم للدور الذي قام به، مقارناً بين الحرب العالمية الأولى التي دامت سنة وسبعة أشهر وخمسة أيام، والحرب العالمية الثانية لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً، وحرب العراق التي استمرت ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوماً، ليصل إلى القول، غامراً النفس بمشاعر شمشونية، إن الحرب ضد إيران "التي هي واحدة من أقوى الدول" في نظره، في ضوء 32 يوماً للحرب، "استثمار حقيقي في مستقبل أبنائكم وأحفادكم. ولا يستطيع العالم أن يصدّق ما يراه من قوة الولايات المتحدة وعظمتها".
ما يلفت الانتباه أن الرئيس ترمب يتفادى ما تسببت به المغامرة المشتركة بينه شخصياً وبين نتنياهو شخصياً (أي بمعزل عن التشاور مع المؤسسات الرسمية في دولة كل من الاثنين) من خسائر لدول الخليج، التي طالما كانت تعلّق الآمال على الدور الأميركي، إنما ليس الدور الذي يتسبب لكل دولة بالإيذاء من جانب الصواريخ الإيرانية. لكن التفادي المشار إليه حدث بعض التنبه له من خلال عبارة: "إن حلفاءنا في الشرق الأوسط (إسرائيل، السعودية، قطر، دولة الإمارات، الكويت والبحرين) كانوا رائعين، ولن نسمح بإيذائهم أو فشلهم بأي شكل...". وهذا الإيحاء بأن دول الخليج مقرونة بإسرائيل من شأنه التسبب لهذه الدول بطرح الكثير من علامات الاستفهام والتعجب، فضلاً عن أن الأذى حدث. ويبقى التعجب الأكثر لفتاً هو اقتراح أعلنه على الملأ، وهو دعوة الدول التي تعاني نقص الوقود نتيجة إغلاق "هرمز"، وبالعبارة الآتية: "اشتروا من الولايات المتحدة. لدينا وفرة كبيرة حتى دون احتساب ملايين البراميل القادمة من فنزويلا. تحلّوا ببعض الشجاعة التي تأخرت كثيراً، كان ينبغي أن تفعلوا ذلك...".
خلاصة القول، إنه بعد خطاب ترمب ذاك لم يُلغِ قلق الناس، أو فلنقل إن الرئيس ترمب بدا في العبارات أنه أشبه بأسد غاضب يكابر بعدما شاخ وضعفت مخالبه، يحاول بث الفعالية في هذه المخالب من خلال توصيف سافر لحلفاء أوروبيين على مدى نصف قرن بأن "الحلف ما دام ليس يؤمر فيطيع يبقى نمراً من ورق". وهذا توصيف يقوله من خاب ظنه في ساعة الشدة.
ويبقى استنتاج لما جرى، وهو أن الرئيس ترمب وحليفه نتنياهو اعتديا على إيران، كما اعتداء نتنياهو على غزة تحت سمع ترمب ومناصرته ورفض أي إدانة دولية له، بما أحدث صدمة في نفس القادة العرب والمسلمين، وأن إيران ردت على الاعتداء مما في مخابئها من صواريخ.
ترمب ونتنياهو متكل كل منهما على الآخر، والاستمتاع بإلحاق الأذى بالأمتين وبلبنان بحقد عالي الدرجة. وعندما يقول ترمب عن بابا الفاتيكان ليو (البابا الأميركي الأول): "لا أعتقد أنه يقوم بعمل جيد. إنه يحب الجريمة. وأنا لا أحبذ بابا يجيز امتلاك سلاح نووي (يقصد إيران). أنا لستُ من المعجبين به"، فهذا يعني أنه يحبذ الكلام المستفِزّ وضد كل مَن ينصح، كما يعرقل مَن يتوسط ويرى الخير في إعادة النظر. وهذا حدث في إسلام أباد، رغم أن باكستان كانت أفضل مَن يجمع الضدين (أميركا إذا تفهمت وعدّل ترمب مفردات تصريحاته، وإيران إذا كانت أكثر تفهماً). والله الهادي.

