: آخر تحديث

كيف علّم العالم طهران أن الابتزاز ينجح؟

4
2
4

ثمة سؤال لا يُطرح بما يكفي وسط ضجيج الأزمة الراهنة في مضيق هرمز: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف بلغ نظام الملالي في طهران هذا المستوى من الجرأة على احتجاز شريان الاقتصاد العالمي رهينةً، وتهديد أمن مئات الملايين من البشر، وتحويل الممرات البحرية الدولية أداةً للابتزاز السياسي الممنهج؟ الجواب ليس في قوة إيران، بل في ضعف من سكتوا عنها طويلاً، وفي طبيعة البيئة الدولية التي أتاحت لهذا النظام الإجرامي أن يتمدد دون ثمن حقيقي يوماً ما.

منذ عام 1979، لم يكن سلوك نظام الملالي عشوائياً ولا انفعالياً، بل قام على معادلة مدروسة اختبرها وأعاد اختبارها حتى أتقنها، فكان الإرهاب تكتيكاً، والوكلاء أذرعاً، والنووي ورقةَ تفاوض، وهرمز خنجراً مسلطاً على رقبة العالم. وكان الاختبار الأول لهذه المعادلة في حرب الناقلات إبان الثمانينيات، حين استهدفت إيران السفن التجارية في الخليج وأغلقت جزءاً من الممر، فكانت الردود الدولية محدودة ومؤقتة، ولم ترقَ إلى مستوى رادع حقيقي.

يومها تعلّم النظام الإيراني الدرس الأول: أن التهديد يُجدي، والعالم يتراجع، وفي كل مرة تلتها اقترب فيها المجتمع الدولي من مواجهة هذه المعادلة، كرّر ما تعلّمه، فتراجع. لم يكن ذلك تقديراً حكيماً بقدر ما كان انسحاباً سياسياً جباناً من تحمّل المسؤولية، حيث بدت كلفة المواجهة دائماً أعلى من كلفة التأجيل. ومع تكرار هذا النمط عقداً بعد عقد، لم يتراجع الردع فقط، بل تم تفريغه من مضمونه كلياً، حتى أصبح كلمة بلا معنى. المشكلة لم تكن في جرأة إيران، بل في أن هذا العالم علّمها بصمته وتردده أن الابتزاز ينجح، وأن التهديد لا يُعاقَب، وكانت إيران الطالبة النجيبة في هذا الدرس المُخزي.

لفهم هذا التآكل المنهجي، ثمة ثلاثة عوامل لا يمكن إغفالها، أولها أن كلفة المواجهة جرى تضخيمها عمداً حتى أصبحت ذريعة دائمة لتأجيل القرار، وكأن أي حسم سيقود حتماً إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها، رغم أن التاريخ يثبت أن التأجيل دائماً أشد كلفةً من المواجهة الحاسمة. وثانيها أن القوى الكبرى غلّبت مصالحها التجارية الآنية على الاستقرار الاستراتيجي البعيد، ففتحت أسواقها بيد، وأغمضت عيونها عن شبكات تمويل الإرهاب الإيراني باليد الأخرى. وثالثها أن السلوك الإجرامي الإيراني القائم على الإنكار والعمل بالوكالة والتدرج في التصعيد استفاد من هذا التردد فاستمرأه، وبات يُعامَل كإزعاج يمكن احتواؤه، لا كخطر وجودي يجب اجتثاثه وتفكيك أدواته.

ضمن هذا السياق المظلم، برز مضيق هرمز سلاحاً استراتيجياً من طراز لم تعرفه البشرية بهذا الشكل من قبل، فالممر الذي يعبره نحو خُمس نفط العالم وربع غازه الطبيعي يومياً ليس مجرد ممر بحري، إنه الوريد الرئيسي الذي تضخ منه الحضارة الحديثة دمها. إغلاق هرمز لا يُطفئ الأضواء فحسب، إنه يوقف الحياة بمعناها الحرفي لمئات الملايين من أشد الناس هشاشةً على وجه الأرض. وحين تمتلك دولة مارقة إرهابية القدرة على تهديد كل هذا، فإنها تمتلك حصانة ظنّتها دائمة، وقد رعاها نظام الملالي بعناية فائقة على مدى عقود، وصقلها وأشهرها في وجه كل من اقترب من محاسبته.

سلاح الطاقة في يد إيران كان رهينةً احتجزتها دولة إرهابية وأشهرتها في وجه الحضارة الإنسانية، والأشد مرارةً أن هذا السلاح صُنع بأدوات غربية وخبرات دولية، ثم أُشهر في وجه أصحابه دون أن يدفع ثمناً حقيقياً لعقود. والعالم بأسره أسهم في هذه الجريمة، فالمؤسسات الدولية التي صُنعت لردع مثل هذه التجاوزات اكتفت بإدانات لم تُنفَّذ وقرارات لم تُطبَّق، والدول الكبرى التي تحمل مفاتيح مجلس الأمن آثرت صفقاتها التجارية على مواجهة خطر كان يتراكم أمام أعينها عقداً بعد عقد. والجميع اختار الغفلة المريحة. وكل مرحلة من مراحل التراجع الدولي لم تُخفّف التهديد الإيراني، بل أعادت إنتاجه بشكل أكثر تعقيداً وأشد خطورة، حتى تحولت الاختلالات من حالات يمكن احتواؤها إلى بنية غير قابلة للاستمرار، انهارت دفعةً واحدة أمام أعيننا.

ثم حدث ما لم يضعه نظام الملالي في حسبانه يوماً، فلقد تغيّرت الظروف، ليس لأن العالم أصبح أكثر فضيلة، بل لأن التراكم بلغ حداً لم يعد يحتمل الاستمرار. وجاء إلى البيت الأبيض رجل بعقلية مختلفة جذرياً، عقلية ترفض فلسفة إدارة الخطر وتستبدلها بتفكيك أدواته وكسر قدرته على الاستمرار. لقد تبنت إدارة ترامب مقاربة تقوم على رفض إبقاء الممرات الحيوية رهينة للابتزاز، والتعامل مع تهديدات الملاحة والطاقة باعتبارها خطاً أحمر لا يُتجاوز دون كلفة مباشرة وفورية. هذا التحول لم يكن نظرياً، بل أثبت للمرة الأولى في تاريخ هذا النظام أن قرارات التصعيد لم تعد منخفضة الكلفة، وأن قوى الشر المارقة ليست محصّنة، وأن الدول الفاشلة يمكن إخضاعها حين تتوفر الإرادة الحقيقية على ذلك.

الحقيقة، لا يهم إن كنت تحب هذا التحول السياسي أو تعارضه، ما يهم هو أن لحظة تاريخية تتشكل الآن، ومن يعجز عن رؤيتها لديه مشكلة في البصر لا في الموقف السياسي. واليوم لم يعد مضيق هرمز أداة ضغط أحادية الاتجاه في يد النظام الإيراني، حيث إن احتكار التهديد انتهى فعلياً. الممر الذي ظنّه نظام الملالي حكراً دائماً على ابتزازه بات ساحة اختبار لإرادة دولية أوسع، تقودها واشنطن وتشارك فيها دول الخط الأمامي، وفي مقدمتها الإمارات، التي تتحرك لإعادة صياغة قواعد التعامل مع المضيق من التعايش مع التهديد إلى فرض معادلة ردع واضحة تضمن حرية الملاحة بالقوة عند الحاجة.

بلا شك، انتُزع من إيران سلاحها الأمضى الذي حمته عقوداً، وهذه اللحظة تحمل فرصة تاريخية حقيقية لإعادة رسم قواعد الاشتباك على أسس مختلفة، فرصة أن يُدرك العالم أخيراً أن الاستقرار لا يُبنى على استيعاب الأنظمة المارقة وتغذيتها، بل على قطع أوصالها الشريرة وتجريدها من أوراق الابتزاز بحزم لا تردد فيه ولا مساومة.

خلاصة القول؛ ما نشهده في مضيق هرمز ليس حادثة طارئة ولا مفاجأة مباغتة، إنه الثمر الطبيعي لبذور الشر التي زرعها نظام الملالي طوال عقود، وسقاها صمت العالم المتواطئ، وحمتها غفلة من آثروا المصلحة الآنية على الأمن الاستراتيجي البعيد. المسؤولية لا تقع فقط على الفاعل المباشر، بل تمتد إلى كل من أسهم في بناء البيئة التي مكّنته من التمدد دون ثمن حقيقي. والسؤال لم يعد متى تنتهي هذه الأزمة، بل لماذا استغرق العالم كل هذا الوقت ليدرك أن تجاهل الشر لا يلغيه، بل يمنحه الوقت ليترسخ ويشتد ويستوي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.