: آخر تحديث
العراق المختطَف:

من يملك مفاتيح القرار في بغداد؟

6
6
6

لم يكن استدعاء السفراء العراقيين في عواصم خليجية حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل لحظة انكشاف سياسي حاد. فحين تتحرك المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت احتجاجًا على هجمات انطلقت من داخل العراق، فإنَّ الرسالة لا تتعلق بإدانة حادثة، وإنما بتوصيف واقع: دولة تُستخدم أراضيها في العدوان على جيرانها دون قدرة أو إرادة على المنع.

ما يبدو هشاشة في الموقف الرسمي العراقي ليس خللًا طارئًا، وإنما تعبير عن بنية حكم مختطفة. في العمق، لا تتحرك الدولة بوصفها مرجعية نهائية، وإنما كواجهة تتعايش مع قوة موازية تمسك بخيوط القرار الأمني. هذه القوة، المرتبطة استراتيجيًا بالحرس الثوري الإيراني، لا تعمل على هامش الدولة، وإنما داخلها، وفوقها.

لهذا، حين تُطلق المسيّرات من الأراضي العراقية، لا يعود السؤال عن قدرة الحكومة على الحسم، وإنما عن حقيقة موقعها في معادلة القرار. فالمشهد لا يعكس ترددًا، وإنما يكشف اختلالًا عميقًا: قرار سيادي مُصادَر، ومؤسسات عاجزة عن فرض احتكار القوة داخل حدودها.

التوقيت بدوره ليس بريئًا. تزامن هذه الهجمات مع تصعيد تقوده إيران يعكس نمطًا متكررًا: إدارة الصراع عبر ساحات رخوة. العراق هنا ليس مجرد جار متأثر، وإنما منصة ضغط تُستخدم لتمرير الرسائل ورفع كلفة المواجهة دون الانخراط المباشر.

السؤال الأكثر حساسية لم يعد: هل يتأثر العراق بالنفوذ الإيراني؟ وإنما: إلى أي مدى سقط داخله هذا النفوذ؟

الجواب، وفق الوقائع، لم يعد يحتمل المجاملة: العراق سقط لا بوصفه دولة أُلغيت، وإنما كقرار سيادي جرى احتواؤه وتوجيهه. فحين تعجز الدولة عن منع استخدام أراضيها في صراع إقليمي، فإنها لا تكون محايدة، وإنما واقعة ضمن مجال نفوذ يُملي إيقاعه.

وهنا تتضح دلالة الاستدعاءات الخليجية: لم تعد دول الخليج تتعامل مع ما يحدث كـ "أفعال مليشيات"، وإنما كسلوك دولة فقدت احتكار قرارها. وهذا التحول لا يمر دون تبعات: تآكل في الثقة، إعادة تموضع في العلاقات، وانتقال تدريجي من الانفتاح إلى الحذر.

وفي هذا السياق، لا يبدو العراق مجرد ساحة عابرة في الصراع، وإنما الملف التالي في معركة النفوذ الإقليمي. ليس عبر حرب مباشرة، وإنما من خلال إعادة تشكيل موازين القوة داخله. فأي تراجع لنفوذ إيران في الإقليم، سيدفع نحو فتح هذا الملف بوصفه العقدة الأهم: هل يبقى العراق نقطة ارتكاز، أم يتحول إلى ساحة استعادة توازن؟

تفكيك هذا التموضع لن يكون سريعًا. نحن أمام نفوذ ترسخ عبر سنوات داخل السياسة والأمن والاقتصاد. إزالته تعني الدخول في مسار طويل من إعادة بناء الدولة، واستعادة قرارها، مع احتمالات احتكاك داخلي مؤجل.

أما البعد الطائفي، فهو الأداة الأكثر جاهزية في هذا المشهد. يُستخدم لتعبئة الأنصار وتبرير الاصطفافات، ويخفي خلفه حقيقة أبسط: ما يجري صراع نفوذ، تُستدعى فيه الطائفية حين تخدم، وتُهمش حين تعيق.

في المحصلة، لا تكشف أزمة استدعاء السفراء مجرد توتر عابر، وإنما تفضح معادلة كاملة: العراق لم يعد فقط ساحة صراع، وإنما ساحة قرار مُصادَر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.