: آخر تحديث

13 نيسان 1975 - 2026

5
4
5

بعد ما يقارب نصف قرن، لا يزال لبنان يعيش هاجس الحرب الأهلية، بل إنّ بعض اللبنانيين يدعون إليها كما لو أنّها قالب حلوى، أو حفلاً موسيقيًا، إذا ما عاقرته عُدت معافى النفس والجسد، لا يتيمًا، أو أرملاً، أو معاقًا، أو قتيلاً، أو مشرّدًا، أو أسيرًا، أو مغتصبًا، أو مقطّع الأوصال وقد رمي كل جزء منك في وادٍ، منفي الوجود، منفيًّا من الإنسانية وقد نُزعت منك وعنك غصبًا.

من يستدعي الحرب الأهلية ويهلّل لها لا تحضر إلى ذاكرته مشاهد القتل على الهوية، وقتل الأخ لأخيه وقد رفع عليه السلاح لتبنّيه مسارًا سياسيًا يختلف عنه، سواء في ما عُرف في ظلال الحرب بالمنطقة الشرقية والمنطقة الغربية، أو في الجنوب اللبناني. ولا تحضره كذلك صور المختفين قسرًا، وقد غُيّبوا عن عيون أمّهاتهم، وزوجاتهم وأزواجهم، وأبنائهم، من دون ذنب اقترفوه. ولا تحضره معاناة محبيهم وهم يفترشون وسط العاصمة في خيم ماتوا أمامها وفي ساحاتها قبل أن يصلهم خبر من أحبوا وغُيّب عنهم في غفلة من الله عن لبنان أو من رحمته.

إنّ من اختبر الحرب الأهلية ويدعو إليها مرحّبًا، داعيًا إياها للحلول، إنّما هو شيء اتخذ شكل إنسان، لكنه حقيقةً كائن ما، لأنّ الله قد كوّن الأشياء ما كان فيها خيرًا وما كان فيها اللا خير، وعليه هو كائن نبذ التعارف، والرحمة، واكتفى بالقوة يسمعها عندما يطرق على صدره في أقاصي الليل الدامي، وكأنّه اختار، عن وعي أو غيّ أو غفلة، ألّا يكون في عداد العقلاء، وأن ينضمّ إلى ما لا يُحاسب يوم القيامة لأنّ الحساب كُتب على من يعقل لا من يقتل. لا يعني ذلك أنّ العدل الإلهي سيصطفيه من حسابه يوم يكون هناك حساب، لأنّ الله يعلم ما في الغيب، وما في القلوب، ويعلم أنّ عقل هذا الكائن الذي غاب إنّما لأنّ قلبه قد تآكله السواد فلم يعد هناك من متّسع للعقل، وكان هذا من قِبَله كأنّه خيار. ولكل خيار يُنتقى، ولكل طريق يُمشى، ولكل درب تُسلك، مآل، وحساب.

إنّ من عاش الحرب الأهلية، عاشها بحق، وهو يدعو اليوم إليها، بالتأكيد هو عاقّ المنطق والحكمة وذليلهما، يجد نفسه بسفك الدماء. إنّما الحرب سجال، وفوضى، وموت، وسحق دماء، ومن لا يتقن لغة الحياة لا سكنى له ولا وطن.

اللبنانيّ، بعد ما يقارب نصف قرن من آخر حرب أهلية، وبعد اللا أمن واللا استقرار في ظل الحروب التي تعصف به كل فينة وأخرى، لم يتعلّم بعد لغة الوطن، ولم يعتبر بأنّ المواطنة هي الخلاص، وبأنّ الولاء للبنان هو وحده النجاة، وأنّ التاريخ لا يسعى لاستعادة مناذرة وغساسنة، بل البشر.

بعد 50 سنة من العيش في الحروب المتتابعة، وبعد كل الموت والدمار والدم الذي ذرفه اللبناني، لم يتّعظ هذا اللبناني بأنّ اختيار ما هو خارج الحدود من قضايا هو الذي أودى بلبنان إلى الهلاك.

يكفي ما دفعه اللبنانيّ من ثمن لقاء قضايا الآخرين. إذ يكاد دمه الذي سال يضاهي دم الفلسطينيين المسفوك على محراب محمود درويش وإبراهيم طوقان، بل يكاد يتفوّق عليه لأنّ فلسطين القضية ألقت لبنان في أتون حرب الأخوة، والبؤر الأمنية العصيّة على الدولة اللبنانية، وقسّمت اللبنانيين، ولا تزال هي الشمّاعة التي يُعلّق عليها كل كيد من لبنانيّ لآخر، وكل موبقة، وكل تخوين.

يكفي ما سال من دماء اللبنانيين فداء الآخرين. ليس اللبنانيّ وحده الموكّل بقضايا الأمتين الإسلامية والعربية، وليس اللبنانيّ وحده من يجب أن يهدي ماضيه ومستقبله وأمنه وأمانه ومستقبل أولاده ووجوده ووطنه فداء قضايا الآخرين.

لقد دفع لبنان ما يفوق طاقته بأضعاف أضعاف فداء فلسطين، وكانت النتيجة ويلًا عليه ونارًا. لذا على لبنان أن يستفيق وأن ينتصر لقضية لبنان، فلبنان قضية لا تُدرّس في التاريخ مع أنّها موجودة، ومن لا يعرف كيف يقف مع نفسه، لا يمكنه أن يُسند الآخرين.

وإذا كان الولاء للبنان خيانة بنظر البعض، فالولاء لغيره رصاصة انتحار. لبنان الوطن فوق الجميع وقبل أي انتماء، لأنّ لبنان وطن لا دين له إلّا الإنسان، وهو للمسيحيّ والمسلم ولكل من أسلم بأنّه لبنانيّ أولًا وأخيرًا.

بين 13 نيسان (أبريل) 1975، و13 نيسان (أبريل) 2026، لا يزال لبنان أضحية على محراب قضايا الآخرين، ينتظر أن يفتديه الله بكبش، وأن يحميه، ويحفظه من نار تذيب له الكيان.

أيها اللبنانيون، لبنان وطن لا مُلك يمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.