في 9 نيسان (أبريل) 2003 سقط نظام صدام حسين رسميًا، لكن الحقيقة الأعمق أن هذا النظام كان قد سقط قبل ذلك بسنوات من قلوب العراقيين، بل حتى من نفوس كثير من أعوانه وقياداته، فالدكتاتوريات لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول شعاراتها إلى عبء، وهيبتها إلى قشرة، ووجودها إلى هيكل متعب يتآكل من داخله، وهذا ما كان عليه حال نظام البعث في سنواته الأخيرة: سلطة متخشبة، وحزب منهك، ورئيس لم يعد يملك في وجدان العراقيين إلا صورة الخراب والخوف والمغامرات الدموية، وما فعله الأميركيون يومئذ لم يكن، في جانب مهم منه، سوى إعلان إسقاط ذلك الهيكل المهترئ الذي كان قد فقد روحه ومعناه وشرعيته.
لكن هذه الحقيقة لا تعني أن العراقيين نالوا لحظة الخلاص التي يستحقونها، فالنظام، بالرغم من سقوطه المعنوي والأخلاقي والشعبي، لم يُتح للشعب أن يسقطه بيده، ولم تنضج فرصة داخلية جامعة تضع نهاية وطنية للاستبداد وتؤسس لبداية وطنية بديلة، لقد جاء السقوط بقرار خارجي وبفعل الغزو، لا نتيجة فعل عراقي مكتمل الأدوات، وهنا بدأت المعضلة الكبرى التي ما زال العراق يدفع ثمنها حتى اليوم.
حين تسقط الشعوب أنظمتها بنفسها، تكون أقدر على حماية معنى التغيير وعلى صياغة بديل ينسجم مع آلامها وآمالها، أما حين يأتي التغيير من الخارج، فإن البديل كثيرًا ما يولد محكومًا بموازين القوى ومصالح اللاعبين، لا بحاجات الناس وطموحاتهم، وهذا بالضبط ما جرى في العراق، فبدل أن ينهض مشروع دولة حديثة تليق بما تكبده العراقيون من قمع وحروب وحصار، وُلدت صيغة سياسية مرتبكة، مثقلة بالمحاصصة، ومفتوحة على التدخلات، وعاجزة عن تحويل لحظة السقوط إلى لحظة تأسيس حقيقية.
كان العراقيون يحلمون بدولة قانون، وخدمات، وتنمية، وفرص عمل، وتعليم محترم، وصحة تليق بالبشر، ومؤسسات تحمي الكرامة وتمنع عودة الاستبداد، لكن ما حدث، في جوانب واسعة، كان عكس ذلك تمامًا، فقد تراجعت الخدمات بدلًا من أن تتقدم، وتقهقرت الصناعة بدلًا من أن تستعيد عافيتها، وتُركت الزراعة تذبل في بلد كان قادرًا أن يكون سلة غذاء، فيما واصل التعليم والصحة رحلة الإنهاك تحت ثقل الفساد، وسوء الإدارة، وصراع النفوذ، فلم يشعر العراقي بأن الدولة التي وُعد بها قد قامت فعلًا، بل وجد نفسه أمام سلطة جديدة تتنازعها الولاءات، وتستنزفها الانقسامات، وتتعثر في أبسط واجباتها، لهذا لا تبدو ذكرى 9 نيسان (أبريل) يومًا للحنين إلى الدكتاتورية، كما لا تصلح مناسبة لاحتفال ساذج بإسقاطها، إنها لحظة تأمل مُرّة في مفارقة عراقية قاسية: نظام كان قد سقط فعليًا من وجدان شعبه قبل أن يسقط عسكريًا، لكن البديل الذي جاء بعده لم يرتقِ إلى مستوى تضحيات العراقيين ولا إلى حجم أحلامهم، سقط الطاغية، نعم، لكن الوطن لم ينهض كما ينبغي، وبقيت الدولة تبحث عن نفسها بين أنقاض الماضي وارتباك البدائل.


