: آخر تحديث

عم أبو إسماعيل والسارقة

5
6
6

في هذا الصباح، كنت أتهيأ للخروج كعادتي، أرتّب تفاصيل يومي بسرعة، وأستعجل الخطى كأن الوقت يلاحقني. خرجت من البرج الذي أسكنه وأنا مطمئنة، مطمئنة لأنني أسكن في منطقة حيوية، في قلب المدينة، حيث كل شيء قريب، وكل شيء متاح، وحيث أوبر لا يحتاج أكثر من دقيقتين ليصل إليك. قلت في نفسي: لن أتأخر، سأطلب السيارة فورًا، وأنتظر فقط دقيقتين.

لكن الحياة، كما تفعل دائمًا، تحب أن تقاطع خططنا الصغيرة بتفاصيل لم نضع لها حسابًا.

أخرجت هاتفي لأطلب السيارة، وفجأة ظهرت الحقيقة القاسية على الشاشة:
الرصيد انتهى.
وكأن اليوم قرر أن يضع أول حجر عثرة في طريقي منذ لحظاته الأولى.

لم أفكر كثيرًا، اتجهت فورًا إلى كشك عم أبو إسماعيل لشحن الهاتف. عم أبو إسماعيل، ذلك الرجل الذي يشبه الطيبة القديمة، الطيبة التي لا تتبدل ولا تتصنع. الرجل الذي تراه فتشعر أن الدنيا ما زالت بخير، وأن بعض الناس خُلقوا ليكونوا محطة أمان في حياة الآخرين، حتى لو كانوا مجرد صاحب كشك صغير.

حين رآني ابتسم ابتسامة صافية، ابتسامة فيها دفء يشبه دفء الآباء. وأنا أيضًا سعدت لرؤيته، وكأنني لم أذهب لشحن هاتف فقط، بل ذهبت لألتقط شيئًا من إنسانية هذا العالم.

بدأ يقرأ لي رقم الشحن بصوته الهادئ، وكأن كل رقم يخرج من فمه يحمل معه بركة. وفي تلك اللحظة، حضر عدد من المشترين. أمر طبيعي، فالكشك لا يهدأ، والناس تأتي وتذهب مثل موج البحر.

انشغل العم أبو إسماعيل قليلًا. لم يكن منتبهًا تمامًا لكل حركة، فازدحم المكان، وتداخلت الأصوات، وانشغل عقله بيني وبين الزبائن. أنهيت شحن هاتفي، وشكرته، وودعته بوداع لطيف، وداع يشبه السلام الذي يُقال للأشخاص الذين لا تتوقع منهم إلا الخير.

ثم ذهبت إلى مقهاي المفضل.

هناك، جلست كما أحب. قهوة، وهدوء، وكتاب جديد بين يديّ. ساعات تمر دون أن أشعر، كأنني خرجت من ضجيج العالم ودخلت في مساحة تخصني وحدي. كنت أراجع صفحات الكتاب، وأتنقل بين الأفكار، وأترك الوقت يسير ببطء، ذلك البطء الجميل الذي لا نحصل عليه كثيرًا.

لكن حتى اللحظات الهادئة لا تكتمل دائمًا.

حين قررت العودة وطلب أوبر، أخرجت هاتفي مرة أخرى، وفجأة اكتشفت أن الباقة انتهت.
مرة أخرى.
كأن اليوم يكرر لعبته معي.

عدت إلى كشك عم أبو إسماعيل.

كنت أظن أنني سأجده كما تركته: مبتسمًا، لطيفًا، منشغلًا بالرزق والزبائن.
لكنني وجدته مختلفًا تمامًا.

وجدته جالسًا كأن شيئًا ما انكسر داخله.

وجهه كان مثقلًا بالحزن، وعيناه تحملان انكسارًا لا يخطئه أحد. ليس الحزن العابر، بل ذلك الحزن الذي يعلق في القلب ويترك أثرًا لا يزول بسهولة.

قلت له:
"ماذا بك يا عمي؟"

نظر إليّ نظرة طويلة، وكأن السؤال فتح عليه بابًا كان يحاول إغلاقه، ثم قال بصوت مكسور:

"تابعت الكاميرا"

وسكت لحظة.

ثم أكمل:

"وجدت سيدة منقبة سرقت عددًا من البسكويت، وضعتهم تحت آباطها، وفرّت هاربة."

قالها كمن لا يصدق ما رأى. كمن شاهد خيانة صغيرة، لكنها موجعة.
ليس لأن البسكويت غالٍ، ولا لأن الخسارة كبيرة، بل لأن الفعل نفسه قاسٍ.

أن تسرق من رجل كبير في السن، رجل يفتح رزقه للناس من الصباح حتى الليل، رجل بالكاد يجمع قوت يومه، أن تسرق منه وأنت تعلم أنه لن يلاحقك، ولن يقدر عليك.

عم أبو إسماعيل لم يكن يتحدث عن البسكويت فقط.
كان يتحدث عن شيء أعمق: عن الإهانة التي يشعر بها الإنسان حين يكتشف أن أحدهم استغل طيبته، واستغل لحظة انشغاله، وأخذ منه شيئًا دون حق.

كان حديثه يقطع القلب.

قال إنه راجع الكاميرا وشاهدها بوضوح. شاهدها وهي تتحرك بهدوء، تتلفت، تختار اللحظة المناسبة، ثم تسرق وكأن الأمر عادي، وكأنها لا تحمل ذنبًا ولا تخاف الله.

جلست أمامه أحاول أن أواسيه، أحاول أن أخفف عنه، أحاول أن أرمم شيئًا من روحه.
لكنني كنت أشعر أن الكلمات صغيرة أمام هذا الألم.

الغريب أن ما أحزنني لم يكن فعل السرقة وحده، بل شعور عم أبو إسماعيل بعد السرقة.

ذلك الشعور الذي يأتي بعد الصدمة، حين يعيد الإنسان المشهد في رأسه عشرات المرات، ويتساءل:
"لماذا؟"
"لماذا أنا؟"
"هل أنا غفلت؟"
"هل كنت طيبًا أكثر من اللازم؟"
"هل الدنيا لم تعد تعرف الرحمة؟"

وأنا جالسة معه، تذكرت موقفًا حدث قبل ذلك.

تذكرت بواب العمارة، عم علي.

عم علي رجل بسيط أيضًا، من أولئك الذين يشبهون الجدران القديمة: ثابتون، صامتون، يعملون بصبر، ويتحملون ما لا يتحمله غيرهم.

في يوم من الأيام ترك جواله في غرفته، ونسي أن يغلق الباب.
لحظات بسيطة، دقائق قليلة، غفلة بشرية عادية.

ترك الحراسة للحظات، ثم عاد.

لكن تلك الدقائق كانت كافية.

دخلت امرأة منقبة إلى الغرفة.
رأت الهاتف.
أخذته.
ثم هربت.

عم علي لم يرها حينها.
لكنه اكتشف الأمر لاحقًا.

وحين راجع الكاميرات، رآها.

رآها على شاشة التلفزيون كما لو أنها فيلم، لكن الفرق أن الفيلم كان واقعه، وأن الخسارة كانت تخصه، وأن الألم كان حقيقيًا.

أتذكر عم علي جيدًا.
أتذكره وهو يقف، ينظر إلى السماء، يدعو عليها.

لم يكن دعاؤه غضبًا فقط، كان دعاء مظلوم.
دعاء إنسان بسيط لا يملك في الدنيا سلاحًا سوى صوته حين يرفعه إلى الله.

كان ينظر إلى الأعلى وكأن السماء هي المحكمة الوحيدة التي يثق بها.

وأنا لم أنسَ تلك اللحظة.

لم أنسَ انكسار رجلين بسيطين، رجل يبيع البسكويت في كشك صغير، ورجل يحرس برجًا طويلًا لا يملكه. كلاهما لا يملك إلا رزقه وكرامته، وكلاهما تعرض للسرقة بالطريقة نفسها، وفي الحي نفسه، وفي المدينة نفسها التي نظن أنها مزدحمة بالحياة، لكنها أحيانًا مزدحمة بالقسوة أيضًا.

وهنا، أريد أن أوضح شيئًا مهمًا:

هذا الكلام ليس معايرة للمنقبات.
وليس هجومًا على النقاب.
ولا هو دعوة للشك في النساء.

أعرف جيدًا أن النقاب لا يصنع الإنسان الصالح ولا الفاسد.
فالستر لا يعني الطهارة، كما أن كشف الوجه لا يعني سوء الأخلاق.
الإنسان يُقاس بأفعاله، وبنيته، وضميره، وخوفه من الله.

لكن المؤلم أن من يرتدي شيئًا يرمز للستر والحياء، ثم يمد يده للسرقة، لا يسرق فقط مالًا أو هاتفًا أو بسكويتًا، بل يسرق معنى الأشياء.

يسرق فكرة الأمان.
يسرق الثقة.
يسرق الطمأنينة التي نحاول أن نعيش بها وسط الزحام.

والأكثر ألمًا أن الضحية دائمًا هم البسطاء.

ليس أصحاب الشركات.
ليس الأثرياء.
ليس من يملكون البدائل.

بل من يعيشون يومهم بيومه، ومن يعتمدون على رزق صغير، ومن إذا خسروا شيئًا شعروا أن الدنيا كلها ضاقت عليهم.

عم أبو إسماعيل لم يكن حزينًا على البسكويت، بل على الشعور الذي زرعته تلك المرأة في قلبه.
شعور الخيانة.
شعور أن العالم أصبح أقل رحمة.

وعم علي لم يكن حزينًا على الهاتف وحده، بل على كرامته التي سُرقت معه، وعلى إحساسه أنه لم يعد يستطيع أن يثق بأحد.

وأنا، في هذا اليوم، لم أخرج فقط لأشحن رصيدي، بل خرجت لأرى وجهًا آخر من المدينة.

وجهًا لا يظهر في الأبراج العالية، ولا في المقاهي الجميلة، ولا في الشوارع المضيئة.

وجهًا يعيش في أكشاك صغيرة، وغرف حراسة ضيقة، وأعين رجال بسطاء يحملون أثقال الحياة بصمت.

عدت إلى بيتي وأنا أفكر:

كم مرة تحدث هذه القصص ولا نسمع عنها؟
كم مرة تُسرق أشياء بسيطة، لكن تترك خلفها جروحًا كبيرة؟
كم مرة ينام شخص مظلوم وهو لا يملك إلا الدعاء؟

في النهاية، ربما تُسرق البسكويتات.
ربما يُسرق الهاتف.
لكن الشيء الأخطر هو ما يُسرق من داخل الناس:
الطمأنينة.

ومع ذلك، يبقى هناك شيء يخفف الألم قليلًا:
أن الله يرى.

أن كاميرات الأرض قد توثق، لكن كاميرا السماء لا تغفل.
وأن المظلوم حين يرفع يده، لا يرفعها للفراغ، بل يرفعها للعدل الحقيقي.

أفكر في عم أبو إسماعيل، وأتمنى أن يعود لابتسامته.
وأفكر في عم علي، وأتمنى أن ينسى مرارة تلك اللحظة.

وأتمنى أن نفهم جميعًا أن السرقة ليست فقط أخذ شيء لا يخصك، بل هي كسر قلب شخص لا يستحق أن يُكسر.

في هذا العالم، قد تمر على الناس دون أن تعرف قصصهم، لكن يكفي أن تقترب قليلًا، لتكتشف أن بعض القلوب تعيش معركة يومية فقط كي تبقى واقفة.

وهؤلاء يستحقون منا أكثر من كلمة.
يستحقون احترامًا، ودعاءً، وعدلًا.

لأن الطيبة التي في عم أبو إسماعيل، والصبر الذي في عم علي، هما آخر ما تبقى من جمال هذا العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.