: آخر تحديث

هل حاكمُ العالمِ تاجرٌ؟

10
10
9

لم يعد السؤال في عالم اليوم: من يحكم؟ بل: بأيِّ عقلٍ يُحكم؟ فالصورة التقليدية للسياسة بوصفها ميدان المبادئ والتحالفات الثابتة تتآكل تدريجيًا، لتحلَّ مكانها قراءة أخرى أكثر برودة وواقعية، ترى في القرار السياسي امتدادًا لمنطق السوق، لا خروجًا عنه. لم يعد الحاكم مجرد قائدٍ يوازن بين القيم والمصالح، بل بات، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مدير محفظة يزن خطواته بميزان الربح والخسارة.

في هذا السياق، لا يبدو صعود شخصيات مثل دونالد ترامب ظاهرة طارئة، بل تعبيرًا عن تحوّل أعمق. فالرجل الذي جاء من عالم الأعمال لم يُخفِ يومًا طريقته في التفكير: الصفقات أولًا، وتقليص الخسائر ثانيًا، والانسحاب حين تنتفي الجدوى. هذا النمط لم يعد استثناءً، بل أخذ يتسرّب إلى بنية النظام الدولي ذاته، حيث تتحول الدول إلى كيانات تُدار بعقلية استثمارية، وتُستخدم أدواتها السيادية، من المال إلى القوة، كوسائل لتحقيق عوائد سياسية واقتصادية في آنٍ معًا.

وإذا كانت الشركات تبحث عن أسواقٍ جديدة، فإن الدول الكبرى تعيد تشكيل الأسواق نفسها. يكفي أن نتأمل في أدوات الهيمنة الحديثة لنفهم كيف تتحول العملة إلى سلعة، والسياسة النقدية إلى وسيلة ضغط. فالقرارات المرتبطة بأسعار الفائدة، على سبيل المثال، لا تظل حبيسة الاقتصاد الداخلي، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره، فتجذب رؤوس الأموال نحو المركز وتترك الأطراف تواجه أعباء التضخم وتقلّبات العملة. هنا، لا نكون أمام زعامةٍ أيديولوجية، بل أمام عقلٍ يعيد تسعير المخاطر على مستوى كوني.

ولا يختلف الأمر كثيرًا حين ننتقل إلى الحروب. فالنظر إلى النزاعات المعاصرة بوصفها صداماتٍ عسكرية فقط يُغفل بعدها الاقتصادي العميق. الحرب في أوكرانيا، مثلًا، لم تُعد رسم خرائط النفوذ فحسب، بل أعادت توزيع سوق الطاقة برمّته، فانتقلت أوروبا من اعتمادها على مصادر بعينها إلى مصادر أخرى أعلى كلفة وأكثر ارتباطًا بتحالفات سياسية جديدة. بهذا المعنى، تبدو الحرب، في أحد وجوهها، عملية إعادة هيكلة للسوق، تُعاد فيها صياغة قواعد الربح والخسارة.

حتى الجغرافيا لم تعد بريئة في هذا السياق. الممرات البحرية، مثل مضيق هرمز، تتحول إلى أدوات ضغط، تُرفع بها الأسعار وتُفرض عبرها شروط جديدة على الحلفاء قبل الخصوم. إنَّه منطق "خلق الحاجة" قبل عرض الحل، وهو جوهر كل صفقة ناجحة، حيث تُختزل الجغرافيا إلى أداة ضغط وتُفرَش الأزمات على مائدة السوق قبل أن تُحلَّ على طاولة السياسة.

غير أن هذا التحليل، على وجاهته، يظل ناقصًا إن لم نميّز بين التاجر والمُضارب. فالتاجر الكلاسيكي يسعى إلى الربح المستدام، ويحتاج إلى قدرٍ من الاستقرار يحمي استثماراته، بينما يبدو كثيرٌ من السلوك السياسي المعاصر أقرب إلى المُضاربة، حيث تُقبل المخاطر العالية مقابل مكاسب سريعة، حتى لو كان الثمن اضطرابًا طويل الأمد. بعض القرارات الكبرى لم تعد صفقات، بل رهانات.

ثم إن اختزال الفاعلين الدوليين في عقلية التاجر يُغفل تنوع الدوافع. فدولٌ مثل الصين تمزج بين منطق السوق والتخطيط المركزي، فيما تُظهر تجارب تاريخية أن بعض القادة قد يختارون مسارات لا تعظّم الأرباح الاقتصادية بقدر ما تسعى إلى تحقيق استقرارٍ سياسي أو أخلاقي، كما في تجربة نيلسون مانديلا. ومع ذلك، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن لعالمٍ يُدار بمنطق السوق أن يُنتج مانديلا آخر؟ فالصين، مثلًا، تمزج السوق بالتخطيط المركزي، فتُصدّر مبادراتها العابرة للحدود كصفقاتٍ جيوسياسية تعيد رسم الخرائط الاقتصادية دون إطلاق رصاصة، فيما تكشف تحولات المنطقة العربية، من خلال اتفاقيات أبراهام، كيف يتحول السلام نفسه إلى سوقٍ للاستثمارات والسلاح، حيث يُقاس التقارب بمليارات الدولارات لا بمبادئ مشتركة.

في كل الأحوال، يبقى الثابت أن كلفة هذه "التجارة الكبرى" لا تُوزّع بالتساوي. فالشعوب غالبًا ما تدفع الثمن، عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتحمّل تبعات الأزمات التي لم تكن طرفًا في صناعتها، فيما تتراكم الأرباح في مكانٍ آخر، بعيدًا عن الضجيج، حيث تُدار الحسابات ببرودة الأرقام.

هنا تتبدّى المفارقة الأكثر قسوة: التاجر يحتاج إلى الاستقرار، لكن السياسة المعاصرة تنتج قدرًا متزايدًا من الفوضى. فهل نحن أمام تجارٍ سيئين، أم أمام نظامٍ يكافئ المخاطرة ويجعل من الاضطراب شرطًا لإعادة توزيع الأرباح؟ قد يكون الجواب في مكانٍ بين الاثنين، حيث لم يعد الحاكم مضطرًا لأن يكون تاجرًا في ذاته، بقدر ما أصبح مضطرًا لأن يتقن لغته.

في النهاية، لا يحكم العالم تاجرٌ بالمعنى البسيط للكلمة، لكن العالم نفسه بات يُدار بمنطقٍ يجعل من التجارة اللغة الغالبة لفهم السياسة. ومن لا يجيد هذه اللغة، لا يُقصى من السوق فقط، بل من العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.