بلغت القلوب الحناجر، وهتفت الألسن بالنداء، وصل الصوت إلى مسامع العالم، الأمر بلغ مداه الأقصى لا عودة عنه، والإعلان أصبح رسميًا، نواف سلام، رئيس مجلس الوزراء اللبناني، "صهيوني" بحسب أنصار حزب الله.
على الشاشات وفي الساحات، في الشوارع والأزقة، وأماكن النزوح، العيون تبرق، والألسن تتكلم، دون التفكير في التواريخ والحقائق والمسلمات، رئيس الحكومة يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، خصوصًا الغارات الجوية التي ضربت لبنان يوم الثامن من نيسان (أبريل)، وتاليًا أصبحت محاكمته واجبة نظرًا لمنعه حزب الله، عنوة وعن سابق إصرار وتصميم وترصد، من تحقيق نصر تاريخي.
هذا لسان حال أنصار الحزب بعد إعلان سلام أن لا أحدًا مخولًا بالتفاوض عن لبنان، وجاءت الغارات الإسرائيلية لتجعل المعادلة المعقدة إلى أبعد حد في الشرق الأوسط مبسطة لكثيرين من مناوئيه، فجهود الحكومة في لعب دورها كسلطة تنفيذية في لبنان، والتفاوض باسمه، وإبعاد الورقة اللبنانية عن إيران والحرس الثوري، أعطت إسرائيل الفرصة لشن غاراتها.
ولتَبسيط المعادلة الراسخة في ذهن هؤلاء أكثر، أرغمت إيران إسرائيل على وقف الحرب مع حزب الله، ولكن قيام الحكومة بمحاولة لعب دورها الطبيعي، أيقظ حكومة بنيامين نتنياهو من عملية التخدير الإيرانية، وجعلها تنفذ سلسلة الغارات الأعنف التي استهدفت لبنان، ما أدى إلى إخراج بيروت من المعادلة، وتركها فريسة بعدما حاول الإيرانيون إنقاذها.
هكذا فجأة، مُسحت كل الأحداث والتواريخ والعمليات، وأصبح التصويب على سلام، حتى أصبح يُخال أن الرجل هو من أطلق عملية الإسناد الأولى بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، وتسبب بكل ما حدث طيلة تلك الفترة وصولًا إلى حرب شاملة لأكثر من شهرين، ثم وقع هو بنفسه على اتفاقية وقف إطلاق النار التي سمحت لإسرائيل بمواصلة استهدافاتها كيفما شاءت وأينما أرادت، فقط لكي يمنع حدوث انتصار تاريخي جديد من سلسلة الانتصارات التاريخية.
المشكلة اللبنانية تكمن دومًا في انعدام الذاكرة وسهولة النسيان، والهروب إلى الأمام، وإضاعة الوقت للبحث دومًا عن شماعات في سبيل تحميلها المسؤوليات التي تنتج عادة عن قرارات متفردة يسهل اتخاذها ويصعب احتواؤها أو معرفة مآلاتها، فتتحول الأنظار نحو التركيز وتوجيه الأنظار على طرف لا ناقة له ولا جمل من أجل تبرير الفشل وتحميله وزر الحدث لأن الواقعة تكون قد وقعت، فمثلًا لو أن حزب الله الذي قال إنه ضاق ذرعًا باستهدافه طوال خمسة عشر شهرًا في متن تبريره دخول الحرب إلى جانب الانتقام لاغتيال المرشد الأعلى، نجح مثلًا في السيطرة على بعض نقاط من النقاط الخمس أو الثماني التي يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي، وأرغمه على التراجع، ومنعه من إرغام السكان على النزوح، وكرس نوعًا من التوازن العسكري، وأنهى الاختراقات الأمنية، وعمليات الاغتيال، كان بإمكانه تبرير الدخول إلى جانب إيران إلى حد ما، ولكن النتيجة أن النقاط الخمس أصبحت بالعشرات، والنزوح توسع، وأصبحنا نسمع مصطلحات الوزاني والزهراني إلى جانب الليطاني، والداخل اللبناني قاب قوسين من الانفجار، ثم يأتي الهتاف المدوي "نواف سلام صهيوني".
وفي ظل صعوبة مناقشة المنطق مع حالات اللامنطق واللاوعي المتفشية على نطاق واسع، يبقى السؤال، هل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، اللتان تضعان في أبرز شروط التفاوض مع إيران إنهاء العلاقة مع "الوكلاء" في الشرق الأوسط، وتحديدًا حزب الله في لبنان، ستوافقان على طلب إيران شمول حزب الله بوقف إطلاق النار، وبتفسير أعمق هل ستحصل إيران على ورقة تعمل واشنطن وتل أبيب على انتزاعها منها وتوازي، في أهميتها بالنسبة إلى إسرائيل، ملف التخصيب والصواريخ الباليستية، ولنتعمق أكثر في تحليل وتفسير اللامنطق والجدل غير الواقعي، لبنان كان مشمولًا بعملية وقف إطلاق النار ولكن تصريحات نواف سلام جعلته خارجها، وأعطت الذريعة لإسرائيل، ولكن أين إيران من هذا العمل الدراماتيكي الذي قام به نواف سلام، ولماذا لم تقرن تهديداتها بالانسحاب من الاتفاق بخطوات فعلية ملموسة كي لا تبقى التصريحات والتغريدات والمنشورات حبرًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
خطأ سلام وحكومته ليس في محاولة لبننة قرار الحرب والسلم، بل في التفاؤل المفرط بالقدرات الرسمية اللبنانية قبل الحرب، والتي كان لها مفعول سلبي على موقف لبنان بعد دخول الحرب نتيجة عدم اقتران الأقوال التي صدرت عن الحكومة بالأفعال التي حصلت على الأرض.


