: آخر تحديث

السلام للشرق العربي وليس عليه

3
3
4

لا حديث للناس شرقًا وغربًا يتقدم على الهواجس المتصلة باحتمال أن تجد هذه الدولة أو تلك أن النفط لم يعد يكفي احتياجات دول كانت مطمئنةً أنه يصلها في انتظام، وبالتالي تسير الأمور على ما يرام.

كما أن دول الخليج، التي غمر البهجة أحوالها جزءاً من عائد الآبار فيها، فوجئت بأنها تعيش لحظةً توجب التنبه بعدما وضعها تبادل التحدي الأميركي – الإسرائيلي لإيران في دائرة المخاطر، حيث كانت الصواريخ الحربية تصيب مواقع من مصافٍ، وموانئ توريد، ومحطات كهرباء، ومطارات، وينشأ عن ذلك شعور لدى قادة دول الخليج بأن الثروة التي خصَّهم الله بها لن تعود كما من قبْل ربع قرن، في حال لم تضع المنازلة الأميركية – الإسرائيلية أوزارها، وتستأنف هذه الدولة الخليجية أو تلك الإنماء الذي لولا النفط لما كانت ستتزايد مشاريع سكنية وسياحية وصناعية وتقنية متطورة، ولما كان نعيم العيش الناشئ عن الذهب الأسود سيبقى غامرًا النفوس على الوتيرة نفسها.

وبدل الطمأنينة التي تسود المجتمع في هذه الدولة الخليجية أو تلك، تتزايد الخشية من مكاره تحدث، ويتجاوز مستوى معيشة الفرد تلك المستويات في دول أجنبية، وتنشأ الصدمة التي لم تكن في الحسبان، وهي أن تصبح هي تحت مرمى صواريخ ومسيَّرات تأتي من الدولة الجارة، بل يصح القول إنها الدولة الجائرة. ألم يوصِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بسابع جار.

هذا التعامل الصاروخي والمسيَّراتي من جانب إيران لم يأتِ الرد عليه بالمثل لأن الدولة الجارة معتدى عليها من إسرائيل وبغطاء أميركي يفوق تأثير دور المعتدي الآخر الممتهن العدوان على الآخرين، وإن كان الاكتفاء بالتنديد يُبقي حيِّزًا لتصحيح الارتكابات بعد أن يُسكت صراخ رمزي الاعتداءات الأميركية – الإسرائيلية، وهو أمر وارد الحدوث في ضوء شهر كامل من الأخطاء – الخطايا الأميركية الناشئة عن أن الدولة العظمى تشارك مع إسرائيل في العدوان، الأمر الذي أحدث صدمات لدى أطياف رسمية وشعبية خليجية وعربية وإسلامية على مستوى العالم، تتمحور حول هذا التحالف الذي مثَّلت فيه الرئاسة الأميركية دورًا غير محترَم، أفاد إسرائيل لأنها من دون شريكها الرئيس ترامب كانت ستتعثر، لكن الشراكة أُعطيت العدوان بعدًا دوليًّا للشريك الإسرائيلي الذي تمادى في العدوان، على أساس أن إدارة الرئيس ترامب، في نظره، هي الثقل الدولي المهم، وأن الدول الكبرى الأخرى ومعظم الدول الأوروبية لا قدرة لها سوى الاعتراض كلامًا لا يصل إلى مشارف التعريض، فالإدانة لها.

ما هو مهم في ضوء كثيرٍ من الكلام يجمع بين التهديد والسخرية سمعه قادة الأمة، ويعني دول الخليج في الدرجة الأولى كونها أُقحمت جزئيًّا في الصراع، هو ألا يبقى نفْطها تحت رحمة مضائق ومعابر بحرية، هرمز وباب المندب. وأن ألا يباغت الرئيس ترامب قادة هذه الدول بأن صديقتهم الولايات المتحدة تكبدت الكثير من تكاليف الشراكة مع نتنياهو، تمثلت بصواريخ تم إطلاقها، وحاملات طائرات أُرسلت قبْل العدوان بشهر للتهويل شكلًا وللتنفيذ فعلًا، وخلاف ذلك مما لم تطلبه دول الخليج من الإدارة الأميركية.

ومن الجائز التوقع بأن ترامب في صدد إنجاز ملف تكاليف، علماً أن نسبة المصداقية لدى قادة الخليج إزاء ما سيبرِّره ضعيفة، فضلًا عن أنه سبق وحصد من حقول الآخرين ما لم يكن له دور فيه.

والأهم من ذلك كله هو أن طول الأزمة سينعكس سلبًا بالتدرج على المواطن الخليجي ما لم يألف هذا المواطن العيش فيه بفضل نعمة عوائد آبار تدر خيرًا على مدار الساعة. ومعالم هذا الانعكاس ما زالت غير واضحة. وكما البريطاني والأميركي والفرنسي والإيطالي وغيرهم باتوا يعيشون حالة من التقشف بعدما تسبَّب اضطراب الوصول الطبيعي للنفط إلى مصافيهم ومحطات الوقود في مدنهم وبلداتهم، فإن المواطن الخليجي سيجد نفسه، كما سائر عباد الله، أمام واقع جديد ربما يطول ما دام نتنياهو مستأثرًا بالرئيس ترامب، أو العكس، ينفذان أبشع أنواع العدوان في الشرق العربي – المسلم، وفي مخططهما أن هذا الشرق مصيره أن يصبح جديدًا، ووفق الخارطة التي سبق أن رفعها نتنياهو دون استحياء في الدورة السنوية الماضية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكأنما كان برفعه الخريطة هذه يعلن من جانبه، وبكامل الاطمئنان، إلى أن ترامب سيكون اليد اليمنى عند المباشرة بالعدوان الذي استهدف إيران، وامتدت بعض نيرانه إلى مصافٍ ومطارات وسفارات في دول آثرت انتهاج سياسة الود والتركيز على التنمية من عوائد ثروة أمد الله بها هذه الدول.

يبقى استحضار رؤية استشراقية صاغها كاتبها الإعلامي المرموق عثمان العمير ونحن نرسم هذه المعالم لواقع بالغ المرارة يمكن حدوثه، مضافًا إلى الواقع الصاروخي والمسيَّراتي الذي جعل سماوات خير أمة أُخرجت للناس قاتمة، وجعل الحديث على مدار الساعة بين الناس، وعبْر الفضائيات، عن فواجع تحدث، وجنون في ممارسة الاعتداءات يتناسق مع جنون العظمة عند هذا الثنائي غير المألوف حدوثه وسلوكه، الرئيس ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وعند القراءة المتأنية لعبارات هذه الرؤية نستنتج أن عثمان العمير قرأ قبْل أربعة عقود أي حال للنفط ستكون عليه، المقالة بعنوان "الاستيقاظ باكرًا دون نفط" خص بها العدد الأول من مجلة "التضامن" الصادر بتاريخ 16/ 4/ 1983، وبمثابة تحية للمجلة التي كنتُ زمنذاك أنشرها في لندن بعدما بات ينطبق علينا بسبب الحرب اللبنانية الكثيرة البشاعة ما قد تعيشه دول المنطقة في حال لم يُسدل الرئيس ترامب شراع أساطيله ويتركنا آمنين مطمئنين، نواصل بقدراتنا مواجهة إسرائيل المعتدية في انتظار إدارة رئاسية أميركية جديدة تتصرف وفق شريعة السلام لأرض الشرق الأوسط، وبالذات الأقطار العربية وبين شعوبها المحبة لنشر السلام، بمن في ذلك الشعب اليهودي الذي يكون استخلص العِبَر، ورأى أن سلامة بقائه وعيشه هما في دولة تجاور دولة فلسطينية.

وهذا مسعى تُذكِّر به بين الحين والآخر المملكة العربية السعودية بأنه خير علاج للحالة المستعصية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.