في كل مرة نحاول فيها أن نصف الواقع بحذافيره، يخرج علينا من يطالبنا بـ"تهذيب النفس"، وينادي بـ"الوحدة الوطنية"، ويدعونا إلى "مراعاة مشاعر الناس". وكأن المشكلة تكمن بين السطور وفي الكلمات، وليست قضية دماء. وكأن الأزمة تنحصر في التعبير والمفردات، لا فيمن يجرّ البلد إلى الدمار والهلاك.
لنكن واضحين: المشكلة في لبنان ليست طائفية، ولم تكن يومًا كذلك، إلا بقدر ما حاول البعض تسويقها كغطاء لمشروع سياسي وعسكري واضح المعالم. إن معضلة لبنان هي وجود تنظيم مسلح مرتبط مباشرة بمشروع إقليمي، يتخذ عن اللبنانيين والدولة قرار الحرب والسلم، ويستخدمهم، نعم يستخدمهم، كدروع بشرية.
كل ما عدا ذلك هو تضليل.
حين نقول إن هناك عناصر مرتبطة بـ"الحرس الثوري الإيراني" تنشط داخل لبنان، تعلو أصوات المقلب الآخر: "هذا خطاب ضد الشيعة". هذه أكبر كذبة سياسية في لبنان اليوم. لأن من يختبئ خلف الطائفة ليحمي مشروعًا عسكريًا عابرًا للحدود، هو أول من يسيء إلى الطائفة التي يدّعي تمثيلها.
المسألة ليست شيعية، كما أنها ليست سنية أو مسيحية أو درزية. المسألة ببساطة يحدّها سؤال واحد: هل الدولة موجودة أم لا؟
هل يُعقل أن يُطلب من اللبناني أن يصمت، فقط لأن تسمية الأشياء بأسمائها قد "تُعرّي" طرفًا مسلحًا، قتل الشعب اللبناني، وحارب في سوريا، ورمى البراميل على أطفالها، وانتقل إلى اليمن خدمةً ومؤازرةً للحوثيين، وقاتل في كولومبيا إلى جانب تجار المخدرات؟ هل المطلوب أن نخدع أنفسنا، ونُصرّح بأن من يختبئ بين المدنيين، ويحوّل الأحياء السكنية إلى منصات حرب، هو "مقاوم"؟
المقاومة لا تتخذ مخادع الأطفال ملجأً لها، ولا تجرّ شعبها إلى التهلكة ثم تختبئ في الأنفاق. المقاومة لا تفرض الموت على الناس لتثبيت عقيدتها وترسيخ "نظريتها". هذه الممارسات بعيدة عن مفاهيم المقاومة الحقيقية. هذا سلوك ميليشيوي جبان بكل ما للكلمة من معنى.
نعم، جبان.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية: ليس فقط في السلاح، بل في محاولة فرض معجم جديد على اللبنانيين. معجم يستثني، لا بل يُحظّر، استخدام مفردات مثل "تهريب"، "هيمنة"، "احتلال داخلي"، أو حتى "قتل". معجم يفرض على الضحية انتقاء كلماتها بعناية كي لا ينزعج الجلاد.
هذا ليس نقاشًا سياسيًا، بل هذا ابتزاز.
حين نقول إن من يمول ويُسلّح ويدير هذه المنظومة هو الحرس الثوري الإيراني، فنحن لا "نستفز" أحدًا. نحن نصف واقعًا. وعندما نقول إن هناك من يختبئ بين المدنيين ويتسبب في تكبيدهم أثمانًا باهظة تصل إلى حد خسارة أرواحهم، فنحن لا نكون بصدد "إهانة" أحد، بل نكشف جريمة.
الجريمة ليست في الكلمات والتعابير. الجريمة في الأفعال.
والأهم، وسط كل هذا الضجيج، أن نعيد ترتيب البوصلة الأخلاقية: لا قيمة لأي مشروع، ولأي محور، وأي "قيادة"، إذا كانت تقوم على دماء أطفال لبنان. طفل واحد، واحد فقط، تُدك حياته تحت الركام، يساوي أكثر من كل خطابات الاستقواء، وأكثر من كل قادة الحرس الثوري. لأن الدول تُقاس بقدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفًا، لا بقدرتها على تبرير موتها. ومن يقبل أن يُستبدل وجه طفل بوجه "قائد"، فهو لا يدافع عن قضية، بل يبرر جريمة. هذه ليست شعارات إنسانية فضفاضة، بل هي قاعدة سياسية وأخلاقية: لا شرعية لسلاح، ولا قدسية لقيادة، حين تصبح حياة اللبنانيين تفصيلًا قابلًا للتضحية.
المفارقة أن الأصوات التي تطالبنا اليوم بالهدوء هي نفسها التي تغاضت عن كل الاغتيالات، لا بل بررتها، وتجاهلت كل التهديدات وكل عمليات القمع التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية. من لقمان سليم إلى غيره، إذ كان دم اللبنانيين دائمًا أقل أهمية من "السردية".
واليوم يريدوننا أن نستمر في ممارسة اللعبة نفسها: لا تسمّوا، ولا تصفوا، ولا ترفعوا الصوت.
إلا أن الحقيقة أوضح من كل هذا التمويه المعقد والمصطنع.
لبنان يُدمّر لأن هناك من قرر أن يجعل منه ساحة حرب، ولأن هناك من يرى أن ولاءه العقائدي يتقدم على حياة طفل جنوبي، أو عائلة من الضاحية الجنوبية لبيروت، أو شاب في الجبل. لأن هناك من يعتبر أن مشروعه الخارجي أكبر من البلد نفسه.
وهؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق "اللياقة".
لا يمكنك أن تواجه من يحمل السلاح ويقرر مصيرك بابتسامة دبلوماسية. ولا يمكنك أن تطلب من الناس أن تموت بصمت، فقط لأن قول الحقيقة مسألة "قاسية".
أما في الجنوب، فالمشهد أكثر فجاجة. هناك من يريد لمن تبقى من أهله، الدروز، والسنّة، والمسيحيين، أن يدفعوا ثمن سردية أيديولوجية لا تعنيهم ولا تمت لهم بصلة. فالمطلوب منهم، ببساطة، لا بل بوقاحة، أن ينتحروا أو يتهجّروا: أن يتركوا قراهم وبيوتهم وكنائسهم وخلواتهم وجوامعهم، كي تتحول هذه الأماكن إلى منصات حرب وإلى أهداف. هذه ليست "مقاومة"، هذا استغلال ممنهج للبشر واستخدامهم كوقود أو أكياس رمل.
لكن الحقيقة التي يحاولون طمسها هي أن أهل أبل السقي، ودبل، ورميش، وشبعا، وغيرهم، يرفضون أن يكونوا جزءًا من هذه المسرحية السوداء. يرفضون عناصر الحرس الثوري الذين يحاولون التسلل بين الناس وتحويل المعابد والمقدسات إلى دروع، وأروقة حياتهم اليومية إلى بنك أهداف. هؤلاء الناس، بصمودهم ورفضهم، هم المقاومة الحقيقية: مقاومة تحويل قراهم إلى ساحات موت، ومقاومة اختطاف قرارهم باسم شعارات لا تطعم أبناءهم ولا تحمي بيوتهم ولا تخدم مصلحة بلادهم. هؤلاء يدافعون فعلًا عن لبنان، لا من يختبئ خلفهم.
وكما يرفضون إعادة تموضع جيشهم اللبناني، بعدما تُرك أهالي الجنوب من كافة الطوائف في أتون النار خدمةً لوأد الفتنة.
الوحدة الوطنية لا تعني الصمت؛ بل تعني التضامن والتشارك في مواجهة الحقيقة والواقع.
والوحدة الوطنية لا تُبنى على الأكاذيب؛ بل تُبنى على الاعتراف بأن هناك من خطف الدولة، ومن يحاول أن يفرض على اللبنانيين خيارًا واحدًا: إما أن تقبلوا، أو أن تُتهموا بالخيانة.
وهذا ما يجب رفضه رفضًا قاطعًا.
ليس لأننا ضد طائفة، بل لأننا نناصر وطنًا وبلدًا اسمه لبنان.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأقنعة. لبنان اليوم يحتاج إلى شجاعة ومجاهرة بقول الحق بوضوح، من دون خوف من حملات التخوين أو الترهيب.
وإذا كان قول الحقيقة يُزعج البعض، فهذه مشكلتهم، لا مشكلتنا.
أما نحن، فلن نعتذر عن وصف من يختبئ بين المدنيين ويتركهم يموتون بأنه جبان. ولن نتردد في تسمية المشروع الذي يحكم لبنان من خارج حدوده بأنه مشروع احتلال، مهما حاولوا تغليفه بشعارات.
لأن المسألة لم تعد خلافًا سياسيًا.
المسألة أصبحت ببساطة مسألة حياة أو موت: فهناك من يريد أن يعيش، ويقابله من يُصرّ على الموت وجرّ الآخرين معه إلى أتون الحروب وويلاتها.

