: آخر تحديث

أرض الخير: قراءة في السرد المُصادَر

5
5
5

أولاً: الاتهام وزيفه
ثمة صناعة ممنهجة تعمل منذ عقود على إنتاج صورة بعينها عن المملكة العربية السعودية، صورة لا تستند إلى تاريخ ولا تقوم على وقائع، بل تُبنى على انتقاء مشوَّه وسرد مُصادَر. ويكفي أن تسمع الاتهام ثم تسأل سؤالاً واحدًا لتكتشف زيفه: أي أرض في تاريخ البشرية أنتجت من القيم والرسائل الإنسانية ما أنتجته هذه الجزيرة؟ لا إجابة عند المتهِمين، لأن الاتهام لم يُبنَ للإجابة، بل بُني للتشويش.

ثانيًا: شهادة التاريخ قبل الإسلام
قبل أن تنزل آية واحدة، وقبل أن يُرسَل نبي، كانت الجزيرة العربية تنتج منظومة أخلاقية متكاملة لا تحتاج إلى برهان خارجي، لأن شعرها هو برهانها.

في مجتمع قبلي صارم كانت الأنساب فيه سيفًا والأعراق درعًا، وقف عنترة بن شداد - ابن أَمَةٍ سوداء - فارسًا لا يُبارى وشاعرًا لا يُجارى. لم يصنعه قانون مكتوب ولا مرسوم ملكي، بل صنعته ثقافة رأت في الشهامة والكفاءة معيارًا أعلى من النسب. وكذلك السليك بن السلكة، الذي جرى على الرمال كالريح ولم يُسأل يومًا عن لون أمه.

هذه ليست استثناءات، هذه طبيعة الأرض وما تُنتج. فالكرم، والشهامة، وحق الجار، ونجدة الملهوف لم تكن شعارات، بل كانت سلوكًا يوميًا موثقًا في آلاف الأبيات التي وصلتنا من ذلك الزمن. لقد كتبت أميركا "كل الناس خُلقوا متساوين" في القرن الثامن عشر بينما كان أصحابها يملكون العبيد، في حين مارست الجزيرة العربية التنوع قبل أن يعرف العالم كيف يكتبه.

ثالثًا: الرسالة الأعظم
ثم جاءت من هذه الأرض رسالة غيّرت مسار التاريخ. لم تأتِ لتلغي القيم التي سبقتها، بل صادقت عليها وهذّبتها ومنحتها أفقًا كونيًا. رسالة قالت للبشرية في وقت كانت الحضارات الكبرى تُقنِّن العبودية والتمييز: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

هذا ليس شعارًا دينيًا فحسب، بل هو إعلان ثوري بمقاييس كل العصور. ولم يكتفِ النبي ﷺ بالإعلان، بل أرسل أصحابه في أحلك ساعات الدعوة إلى ملك أفريقي مسيحي ووصفه بأنه "ملك لا يُظلم عنده أحد". في هذا الموقف وحده دروس لا تُحصى عن طبيعة هذه الأرض ونظرتها إلى الآخر، نظرة لا تُقيَّد بعِرق ولا تُحاصَر بدين.

رابعًا: التطرف - وافد لا وليد
أما الاتهام الأكثر رواجًا - أن هذه الأرض أنتجت التطرف - فهو يسقط أمام أبسط مراجعة تاريخية.

وُلدت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، وتشكّل فكرهم الجهادي الأكثر خطورة في عقل سيد قطب الذي صنعته مواجهته للعلمانية الناصرية وصدمته من الغرب، لا الجزيرة العربية. والتطرف المسلح الذي عرفه العالم في نهاية القرن الماضي جاء من تقاطع ثلاثة روافد: الفكر القطبي، والديوبندية الباكستانية الهندية، وقود الحرب الباردة الذي ضخه الغرب لمواجهة السوفييت.

أما المملكة العربية السعودية، فقد موّلت في تلك الحقبة التمور، وحفر الآبار، وبناء المساجد، ونشر دعوة إسلام سمح. ومن ركب هذه الموجة الخيرية هم متطرفون اختطفوا ما بُني للخير وحوّلوه وقودًا لأجنداتهم. والضحية الأولى لهذا الاختطاف لم تكن دولة غربية بعيدة، بل كانت مكة المكرمة نفسها حين اقتُحم الحرم عام 1979، وكانت المملكة التي ضربتها القاعدة على أرضها في مطلع الألفية الثالثة.

من كان مصدر الإرهاب، لا يمكن أن يكون أول ضحاياه.

خامسًا: دولة ناشئة في عالم محترف
ثمة إنصاف تاريخي لا بد منه: المملكة كانت حينها دولة ناشئة واجهت لاعبين دوليين محترفين، أيديولوجيات وافدة، واستخبارات متمرسة، وحربًا باردة تُحرّك الأدوات البشرية كالبيادق. أن تُخترق في هذا السياق ليس فضيحة، بل هو قدَر الدول التي تبني مؤسساتها في ميدان لم تُعَدّ له.

والدليل على النضج الحقيقي الذي لا يُنكَر: أن المملكة اليوم تملك من الفقه الأمني والمؤسساتي ما يجعلها في طليعة من يواجه التطرف ويهزمه. ولم يأتِ هذا من فراغ، بل من تجربة مريرة دفعت ثمنها ثم تجاوزتها باقتدار.

سادسًا: الحاضر - امتداد لا انقطاع
ومن يريد أن يتحقق من أن الأرض لم تتبدل طبيعتها، فليقرأ حاضرها لا ماضيها فحسب.

المملكة العربية السعودية اليوم تقف مع أشقائها العرب بالموقف لا بالكلام. والقضية الفلسطينية لم تغِب يومًا عن سياستها الثابتة في وقت تخلى عنها كثيرون ممن رفعوا شعاراتها طويلًا. الثبات على المبدأ حين يكون مكلفًا هو معيار الصدق الحقيقي.

أما مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فهو اليوم شاهد حي لا يحتاج إلى دفاع. يعمل في أكثر من خمسين دولة، ويمد يده لمحتاج لا يسأله عن عِرقه ولا دينه ولا جنسيته. إغاثة في اليمن، وأفريقيا، وآسيا، وأوروبا، كلها من معين واحد لم يجف. هذا ليس "دبلوماسية صورة"، بل امتداد طبيعي لأرض علّمت أجيالها - قبل الإسلام وبعده - أن حق الجار والإنسان لا يقف عند حدود جغرافية.

التاريخ يُكرّر نفسه، لأن الأرض لم تتغير.

خاتمة: استرداد السرد
المشكلة لم تكن يومًا في التاريخ، فالتاريخ في صف هذه الأرض بلا جدال.

المشكلة أن السرد مُصادَر. ومن يملك مكبر الصوت يصنع الصورة بغض النظر عن الوقائع، وقد أدرك خصوم هذه الأرض ذلك فاستثمروا في الصورة أكثر مما استثمروا في الحقيقة.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس دفاعًا، فالدفاع موقف ضعيف يعترف ضمنيًا بوجاهة الاتهام. المطلوب هو استرداد السرد، بالتاريخ، وبالوقائع، وبالسؤال الذي لا يملك المتهِمون إجابة عنه: أي أرض على هذه الكرة الأرضية حملت للبشرية من القيم والرسائل والإنسانية ما حملته الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ حتى اليوم؟

الصمت هو الجواب، والصمت اعتراف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.