: آخر تحديث

سلام الأفاعي… إعادة تعريف الخطر الإيراني في خطاب ظريف 

7
7
7

في لحظات التحولات الكبرى، لا تُطرح أخطر المشاريع بصيغة التهديد، بل بلغة تبدو عقلانية ومغرية في ظاهرها. هذا ما يقدمه محمد جواد ظريف - وزير الخارجية الإيراني الأسبق والمفاوض الرئيسي في اتفاق 2015 النووي - في مقاله الذي نشره في الثالث من أبريل 2026 بمجلة "فورين بوليسي" تحت عنوان "كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب"، حيث لا يسعى إلى تبرير سلوك إيران بقدر ما يحاول إعادة تعريفه: من مصدر تهديد مزمن إلى شريك ضروري في إنتاج الاستقرار، وفي هذا التحول اللغوي بالذات تكمن الخطورة الحقيقية.

الحقيقة، لا تكمن المشكلة في البنود المعلنة، بل في المنطق الذي يحكمها، فالمقال لا يعرض تسوية بقدر ما يعيد صياغة السؤال نفسه: ليس كيف يُحتوى الخطر، بل كيف يمكن التعايش معه، وهنا يتحول التهديد من قضية يجب إنهاؤها إلى واقع يجب إدارته، وهو تحول يبدو طفيفاً في الصياغة، لكنه جوهري في النتيجة.

غير أن ظريف يُؤسّس طرحه على ادعاء أعمق: أن إيران ضحية عدوان لا مُشعِلة توتر، وهذه الحجة تنهار حين تُوضع في مواجهة السياق الأشمل. فإيران التي تصف نفسها بالمظلومة هي ذاتها التي بنت على مدى عقود شبكة أذرع إرهابية ممتدة عبر أربع دول، وأشعلت حروباً بالوكالة، ودعمت كل طرف هدّد استقرار الإقليم من حزب الله إلى الحوثيين، بالتالي فاختزال الصراع في لحظة عسكرية محددة لا يغير من طبيعته التراكمية.

وعلى المنوال ذاته، يستدعي ظريف تاريخاً من الإخفاقات الأمريكية - الانسحاب من اتفاق 2015، وسياسة الضغط الأقصى، وإرسال مفاوضين وصفهم بغير المؤهلين - ليبني منها شرعية لموقفه. وهذه الوقائع حقيقية ولا يمكن إنكارها، ولكن استخدامها لتبرير غياب أي إصلاح جوهري في السلوك الإيراني هو مغالطة واضحة: فإخفاق الطرف الآخر لا يُسقط مسؤوليتك عن أفعالك، وإيران التي تتذرع بخيانة الغرب هي نفسها التي لم تُوقف تطوير صواريخها ولا دعم أذرعها طوال سنوات الاتفاق وما بعدها.

ويفقد هذا الطرح مصداقيته أكثر حين ننظر إلى مصدره، ففي التسجيل الصوتي المسرّب عام 2021، اعترف ظريف صراحةً بأن الحرس الثوري الإيراني كان يُقوّض عمله الدبلوماسي باستمرار، وأن "الميدان" كان يفرض أجندته على الدبلوماسية لا العكس. أي أن الرجل نفسه أقرّ بوجود مركزين للقرار في إيران: مركز يتفاوض، ومركز يُشعل، والسؤال الذي يطرحه هذا الاعتراف مباشرةً: من يضمن أن ما يعده المركز الأول لن يُفرّغه المركز الثاني؟ فكيف يُعرض على العالم مشروع سلام من رجل أقرّ أنه لم يكن يوماً صاحب القرار الفعلي في أدوات الصراع نفسها؟

ولا يمكن فهم هذا الطرح دون العودة إلى لحظة التأسيس لنظام الملالي في إيران، فأزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران لم تكن حادثة استثنائية، بل تأسيساً لنمط قائم على استخدام الأزمات أدواتٍ للتفاوض. ومنذ تلك اللحظة، لم يخرج النظام الإيراني فعلياً من هذه المعادلة، بل أعاد إنتاجها عبر أدوات مختلفة: أذرع مسلحة، عمليات غير مباشرة، وإنكار رسمي يقابله مكسب استراتيجي.

لكن جوهر المقال يقوم على فرضية مركزية: أن إيران صمدت، وأن هذا الصمود يمنحها موقعاً تفاوضياً متقدماً يبرر قبول شروطها، غير أن الصمود لا يساوي التفوق، واستمرار الصراع لا يعني حسمه. فعدم قدرة أي طرف على إنهاء المواجهة عسكرياً يعكس توازن استنزاف لا تفوقاً يسمح بفرض شروط سياسية، والفارق بين الحالتين جوهري في أي تفاوض جاد. وكذلك، ادعاء أن البرامج النووية والصاروخية عصية على التدمير وبالتالي يجب التعامل معها كأمر واقع، يتجاهل أن إبقاءها خارج أي إطار تفاوضي ليس دليل قوة، بل دليل على أنها جوهر الأزمة التي لا يمكن القفز فوقها بأي صفقة جزئية.

ويتجلى أكثر هذا التناقض بوضوح في طرحه المتعلق بمضيق هرمز، فحين يقترح فتح المضيق ضمن صفقة شاملة، فإنه يقدّم معادلة مقلوبة: الجهة التي أغلقت الممر الحيوي خلال الحرب تطلب أن يُعامَل هذا الإغلاق كورقة تفاوض يُستردّ بها ثمن سياسي. أمن المضيق لا يُبنى على هذا المنطق، بل على إطار مؤسسي تقوده دول الخليج العربية بحكم الجغرافيا والمصلحة المباشرة، وتدعمه شراكات دولية قادرة على حماية سلاسل الإمداد، أما تحويل إيران إلى طرف في ضمان ما عطّلته، فهو ليس حلاً، بل إعادة تدوير للمشكلة بصيغة مختلفة.

الأمر ذاته ينطبق على الملف النووي، فالتعهد بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي مقابل رفع شامل للعقوبات ليس معادلة توازن، بل إعادة تسعير لالتزام قائم أصلاً ضمن قواعد النظام الدولي. والأخطر أن هذا الطرح يتجاهل تماماً برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة - أداة الردع والضغط الفعلية - وهو برنامج يُديره الحرس الثوري مستقلاً عن أي دبلوماسي، بما فيهم ظريف نفسه كما أقرّ. فالنقاش يُحصر في النووي، بينما تُترك أدوات الهيمنة الأخرى خارج أي التزام واضح—وهذا ليس سهواً، بل اختياراً للحفاظ على جوهر القوة مع تقديم تنازل شكلي في ملف واحد.

وبلا شك، يحمل هذا الطرح أيضاً رسالة تهديد ضمنية لدول الخليج: أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد كافياً لضمان الأمن، وأن الحل يمر عبر التفاهم مع إيران لا حولها. وهذه الرسالة، وإن كانت تستثمر في مخاوف حقيقية لدى دول الخليج من تقلبات السياسة الأمريكية، إلا أنها تقدم حلاً أسوأ من المشكلة،  فتنويع الشراكات الاستراتيجية يعزز الاستقرار ولا يضعفه، والمشكلة ليست في طبيعة الشريك الدولي، بل في محاولة استبداله بطرف إقليمي ثبت تاريخياً أنه مصدر التهديد نفسه لا شريك في درئه.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال السجل الذي يجعل أي ضمانات إيرانية موضع شك جدي، فالنظام الإيراني ترجم عداءه إلى فعل منظم عابر للحدود: من دعم الأذرع الإرهابية التي تحركت في 7 أكتوبر 2023 واستهدفت مدنيين إسرائيليين على نطاق واسع بعد سنوات من التمويل والتسليح الإيراني، إلى تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس عام 1994 الذي ربطته تحقيقات قضائية بشبكات مرتبطة بطهران. هذا التاريخ ليس استطراداً في سياق النقاش، بل هو الدليل الأوضح على أن ما تطرحه إيران اليوم ليس دعوة إلى سلام، بل محاولة لإعادة تسويق دورها دولياً دون مراجعة حقيقية لبنيتها التخريبية أو تفكيك شبكاتها.

في المحصلة، لا يقدم هذا الطرح خارطة طريق للسلام، بل يعيد توزيع المخاطر ضمن صيغة تبدو أقل كلفة في المدى القصير، لكنها تحمل كلفة أعلى على المدى الطويل. فكل تجربة سابقة خُفِّف فيها الضغط دون تغيير جوهري في السلوك، انتهت بإعادة إنتاج الأزمة بأدوات أكثر تطوراً ونفوذ أوسع. وما يبدو كحل عملي هو في جوهره تأجيل للصراع بشروط أكثر ملاءمة لطهران، والسلام الحقيقي لا يُبنى على تغيير الصورة، بل على تغيير السلوك، وهو ما لا يتضمنه هذا الطرح بأي قراءة منصفة لبنوده.

لذلك، فإن أي تسوية حقيقية لا يمكن أن تتجاوز ثلاث حقائق: أولاً، أمن الخليج يُدار من داخل منظومته السيادية عبر شراكات استراتيجية واضحة تقوم على توزيع الأدوار لا احتكارها، وتشمل قوى دولية قادرة على الردع والحماية الفعلية. ثانياً، حرية الملاحة في هرمز تُحمى بإطار مؤسسي مستدام يشمل حضوراً عسكرياً دولياً منظماً وتنسيقاً استخباراتياً متقدماً، لا بتفاهمات ظرفية مع الجهة التي تتحكم في مفتاح التعطيل. ثالثاً، أي اتفاق لا يشمل وقف البرنامج النووي، مع الصواريخ، والأذرع والبنية التخريبية العابرة للحدود، مع آليات تحقق دولية حقيقية وقابلة للتنفيذ، هو اتفاق ناقص يُؤجّل الأزمة لا يُنهيها.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل يمكن الوثوق بوعود طهران؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان البديل الواقعي قائماً على شراكات واضحة تضمن الاستقرار، فما الذي يبرر أصلاً القبول بطرح يعيد منح مصدر التهديد دور الضامن له؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.