الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية مستمرة، ولا يلوح في الأفق أي انفراجة قد تنهيها. المحللون والمراقبون وحتى الفلكيون وفتاحو الفال لا يستطيعون التنبؤ بمصيرها وما ستسفر عنه، فالخيوط متداخلة، وعقد التفاوض متشابكة، والمصالح متعارضة، وكل طرف يستعجل إعلان النصر وزف البشرى لشعبه. ولكن الأطراف الثلاثة مجتمعة يبدو لي أنها خسرت الحرب، وليس هناك مهزوم أو منتصر فيها، على الأقل في الوقت الحالي.
أميركا التي قالت بأنها ستحسم الحرب خلال أربعة أيام، وستسقط النظام الإيراني، بل وزفت البشرى للمتظاهرين داخل إيران بقرب الخلاص والتحرير، لكنها فشلت فشلاً ذريعًا في تحقيق هذه الغاية، فلم يزل النظام الإيراني قائمًا، بالرغم من الخسائر الفادحة التي ألحقت بقدراته العسكرية والقيادية، وما زال لديه عدد هائل من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي عمل خلال 47 سنة على تخزينها في أنفاق تحت الجبال وتهيئتها لهذه الحرب الكبرى.
إسرائيل كان كل هدفها من الحرب هو تدمير القوة الصاروخية الواصلة مداها إلى داخل إسرائيل، ونجحت فعلاً بتدمير قسم منها، ولكن هناك بقية ما زالت مدفونة تحت الأرض لا تستطيع الطائرات الإسرائيلية الوصول إليها.
أما إيران، فبالرغم من هزيمتها المروعة في الحرب الجوية والبحرية، لكنها ما زالت صامدة، وتعتبر مجرد صمودها أمام هاتين القوتين العظميين في العالم والمنطقة نصرًا لها.
التطور اللافت في هذه الحرب هو نجاح إيران في إسقاط طائرات حربية ومسيّرات أميركية، وهو تطور قد يغير مسار الحرب لاحقًا. ولا نستطيع أن ننفي في هذا المجال حدوث نوع من التعاون اللوجستي بين إيران وروسيا والصين لجهة تجهيزها بأسلحة حديثة ومتطورة لمواجهة القوات الأميركية والإسرائيلية، فهذه أمور تحدث في الحروب بحكم المصالح الاقتصادية المشتركة، وسبق أن عملت أميركا بنفسها بهذا الاتجاه في العديد من الحروب الإقليمية السابقة بين الدول.
واليوم، ومع تداعيات الحرب الخطيرة، وتحت تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية، أصبح هناك هدف مشترك للأطراف الثلاثة، وهو وقف الحرب عند هذا الحد قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة تهدد السلام العالمي وحرية التجارة الدولية.
فأميركا التي فشلت في إسقاط النظام وحتى في دفع إيران إلى التفاوض بشروطها، تحاول أن تخرج منها بماء وجهها، وليس كما حصل أثناء انسحابها المخزي من أفغانستان والعراق بعد أن دفعت ضريبة باهظة لتدخلها هناك. وأصبح هدف أميركا الوحيد اليوم هو فتح مضيق هرمز وعدم اضطرارها إلى الغزو البري والدخول في المستنقع الإيراني.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فهي مرتعبة من مجرد تفكير أميركا بالخروج من هذه الحرب منفردة وتركها وحيدة تواجه إيران، ولذلك نراها تشدد على الاستمرار حتى ولو من دون تحقيق الهدف الأقصى، وهو إسقاط النظام الإيراني. ومطلبها الوحيد في التسوية أصبح الآن فقط تقليل مديات الصواريخ الباليستية.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن هدفها الوحيد هو وقف تدمير بنيتها التحتية وضمان عدم تكرار الحرب ضدها.
إذن، الأطراف الثلاثة تسعى جميعها إلى إنهاء الحرب بعد فشلها في تحقيق أهدافها الخاصة في الحرب، ولكن بشرط أن تكون نهايتها لكل طرف بأقل التنازلات. ومن هذا المنطلق أعتقد بأن هذه الحرب ستنتهي قريبًا جدًا عبر مفاوضات لهدنة مؤقتة وإبقاء الصراع على ما كان عليه في السابق. بمعنى إيجاد نوع من التفاهم على ترحيل هذه المواجهات إلى أجل غير مسمى، أي خروج أطراف الحرب لا غالب ولا مغلوب. فليس هناك حل آخر في ظل التعنت الإيراني المعروف عنها، والإصرار الإسرائيلي على تصوير نفسها القوة الكبرى في المنطقة، وإظهار أميركا أنها القوة العظمى السيدة للعالم.
فلا أميركا قادرة على مغامرة الغزو البري، ولا هي قادرة على فرض الاستسلام الإيراني بضربها بالقنبلة النووية كما فعلت مع اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، ولا إسرائيل لديها حدود مشتركة مع إيران حتى تجتاح أراضيها كما فعلت مع لبنان في السنوات السابقة. إذن، لم يبق هناك خيار غير اللجوء إلى وقف الحرب عبر التفاوض وبأقل الخسائر بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة.
هناك حلول منطقية أعتقد بأن إيران ستوافق عليها لإنهاء الحرب المنهكة بالنسبة إليها، في مقدمتها الموافقة بتكليف منظمة الطاقة الذرية بمواصلة التفتيش الدائم لبرامجها النووية، لا سيما أن العديد من مسؤولي النظام سبق وأن أكدوا مرارًا بأن هناك فتوى من المرشد الأعلى بعدم إنتاج القنبلة النووية. والثاني الموافقة على فتح مضيق هرمز الذي يهدد الاقتصاد العالمي، حيث إن إيران لم تصرح إلى اليوم بالإغلاق التام لهذا المضيق. وهذان هما الشرطان الوحيدان من الممكن تحقيقهما لإنهاء الحرب وعودة الأوضاع إلى طبيعتها بالمنطقة. فلا الغزو البري سيحسم الصراع، ولا القصف الجوي سيحقق النصر مهما اشتدت وتيرته، خصوصًا أن لدينا تجربة مثيرة بهذا المجال. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية كانت الطائرات الألمانية تدك يوميًا العاصمة البريطانية لندن وتحولها إلى ركام وخراب، لكنها مع ذلك عجزت عن إسقاط حكم رئيس الوزراء آنذاك ونستون تشرشل قائد الحرب البريطانية. والأحداث الحالية أثبتت بدورها أنه حتى لو قتل المرشد الأعلى وقيادات الصف الأول والثاني والثالث وحتى الخامس والعاشر، فإن الجمهورية الإسلامية باقية ولن تزول بالضربات العسكرية.
هناك قصر نظر من الأميركيين والإسرائيليين تجاه إيران، فالشعب الإيراني ليس مثل العراقيين المنقسمي الولاء هنا وهناك، فلا وجود للفتنة الطائفية بينهم حتى يستغلها أعداؤهم، ولا وجود لأحزاب ومنظمات معارضة تركب دبابات غازية من أجل الوصول إلى السلطة كما حصل في العراق، وليس هناك شعب ينثر الورود على رأس الغزاة القادمين من الخارج. هناك شعب يعتز بحضارته وتاريخه الذي يشهد بأنه لم يحدث طوال هذا التاريخ أن نجحت قوة أجنبية باحتلال هذا البلد، والنظام الإيراني الحالي الذي لم يرث من نظام الشاه سوى بضع طائرات وأسلحة قديمة معطوبة، لكنه دخل حربًا شاملة فرضت عليه من نظام صدام بجيش منهك وبأسلحة متخلفة، ومع ذلك استطاع أن يصمد لأكثر من ثماني سنوات ويتحول فيما بعد إلى قوة كبرى يحسب لها ألف حساب في المنطقة والعالم.
لقد أوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في مستنقع يماثل مستنقعات فيتنام وأفغانستان والعراق، ولذلك لا أظن أنه سيجرؤ على تنفيذ تهديده بالقضاء على البنية التحتية الإيرانية، وقد يضطر إلى إعلان هدنة مؤقتة قد تطول بنظري إلى أجل غير مسمى، فهذه الحرب لن تحسم بضربات عسكرية جربت طوال الشهر الماضي، اللهم إلا إذا اضطرت أميركا إلى تكليف إسرائيل بدلاً عنها بضرب إيران بالسلاح النووي. عندها لا أحد يستطيع أن يتكهن بما سيحصل للعالم من خراب ودمار، ليس لشيء سوى لأجل إبعاد مديات الصواريخ الإيرانية عن إسرائيل.


