: آخر تحديث

خالد وسعد... الشقيقان الرفيقان

4
4
3

ربما يسارع البعض إلى الاعتراض على عنوان المقالة، فيتسائل: ما الجديد، كل شقيق لشقيقه رفيق؟ الجواب بسيط جداً: كلا ليس بالضرورة، فمن بديهيات الحياة أن اختلافات الرؤى والتوجهات تُفرّق، أحياناً، بين أشقاء وشقيقات، وبين إخوة وأخوات، خصوصاً إذا بلغت من العمق نقطة لا تسمح بتراجع المختلفين فيما بينهم، والأرجح أن غالبية قارئات وقارئي هذه الكلمات، سمعت عن حالات تباعد كثيرة حصلت بين أفراد العائلة الواحدة، إما لأسباب تتعلق بخلاف في الموقف السياسي، أو، وهذه أفدح ثمناً، نتيجة انعدام التوافق إزاء أعراف المجتمع، وعدم التقيد بمتطلبات التقاليد. إنما، من منظور إيجابي للعلاقات الإنسانية، يمكن أيضاً استحضار مقولة العرب؛ «رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُك». ذلك قول صحيح تماماً، والتاريخ مليء بشواهد على ذلك. وفي هذا الصدد من المنطقي، أن تؤخذ في الاعتبار حقيقة أن ما يتردد منسوباً للشعوب، من أمثالٍ وحِكمٍ وأقوالٍ، منذ زمن نشوء مجتمعاتها، وطوال أزمان تطورها، هو في الجوهر خلاصات تجارب لها تغدو كما مواثيق، أو دساتير، تتضمن المتعارف عليها من مبادئ وأعراف تحكم العلاقات بين أفرادها.

عنوان المقالة يشير إلى مُواطِنَي العراق؛ خالد وسعد الجادر. والدهما هو محمود بن محمد بن علي بن جادر، المُتَحَدرون من بني مهدي، من بني طريف، من جذام، فالقحطانيين. لا رابط الدم، ولا صلة الرَحم، كانا فقط الجامع بين خالد، الرسام الفنان المبدع، وشقيقه سعد، المهتم منذ العام 1958 باقتفاء أثر «فنون الصياغة الفضية الإسلامية»، من خلال جمع المُوَثق بين قيّم المعلومات المتعلقة بها، مما أهله لوضع كتاب متميّز عنها أعطاه العنوان التالي:

KUNUZ, ISLAMIC SILVER TREASURES

إضافة إلى اقتناء ما استطاع إلى امتلاكه سبيلا، حتى امتلك مجموعة ضمت أكثر من أحد عشر ألف قطعة من التحف الفضية المتميزة.

ضمن سياق ما تقدم، يمكن القول إن علاقة خالد الجادر، بالشقيق سعد، وهو الأصغر سِناً بين كل أشقائه، نشأت وتطورت، ثم بقيت، ذات جذور أعمق مما هو مُعتاد بين أفراد الأسرة، فهما رفيقان جمعتهما دروب عدة، تنوعت مجالاتها من الاهتمامات السياسية، وما كان يجري في العراق والمنطقة العربية عموماً، إلى التفاعل مع قضايا المجتمع والناس، إلى التحليق في فضاءات الفن المختلفة، بدءاً من اعتياد الصغير سعد الجلوس ساعات طويلة «موديلاً» في مَرسم الفنان الرسام خالد. تلك واحدة مما يمكن اعتباره «ملاحظات» لطيفة، تضمنها الكتاب القيِّم، بل الأقرب إلى وصف «مجلّد»، والذي وضعه سعد عن شقيقه الفنان خالد، وصدر قبل بضعة أسابيع تحت العنوان التالي: «خالد الجادر... رسام الطبيعة والناس والوطنية».

عندما أبلغني الدكتور سعد، قبل أكثر من عام، أنه انتهى من وضع الكتاب، مرَّ بي خاطر عفوي خلاصته أن الأرجح ألا يكون يسيراً على كاتب، أو كاتبة، وضع كتاب يخص سيرة أحد أشخاص العائلة، فكيف إذا كان الشخص المعني بالموضوع أخاً له، أو لها؟ وحين وصلتني نسخة الكتاب، فإنني لم أفاجأ أن يتفق الدكتور سعد الجادر مع الترجيح الذي أشرتُ إليه، إذ يوثق في تقديمه للكتاب ما يلي: «يُقال بأن الكتابة عن المبدعين البارزين أمر صعب بالنسبة لشخص قريب، ذلك لاحتمال التعرض لمطبات التطرف وغلبة الذاتي. ولكن رساماً رائداً وكبيراً ترك تراثاً ثرياً لا يحتمل معه مجالاً للحذر من قول، خاصة وقد حجب العث والذباب المخابراتي المحلي والخارجي رؤية وفن وجماليات الصورة الفنية التي بثها خالد الجادر في الفضاء الثقافي». رؤى خالد تلك، وجماليات صوَرَه، عكستها المضامين التي وضعتها ريشته على لوحاته، أو التي خطها بالقلم الرصاص في اللوحات المعروفة بإسم «إسكتشات»، سواء كانت لأشخاص على شكل  «بورتريهات»، أو للطبيعة والأسواق، ولقد توسع دكتور سعد في التعريف بمضامينها، وشرح تنوعاتها، في خمسمائة وثلاثين صفحة تقع بين غلافين من الورق المُقوى السميك (HARD COVER) بحجم أعرض وأطول من المقاس العادي (A4)، وبدأت بالإهداء التالي: «إلى ذكرى أمنا، وإلى خالد في مئويته 1924- 2024».

وإضافة إلى أن الكتاب توثيقي على أكثر من مستوى، سواء السياسي، أو الثقافي- الفني، فهو في الآن نفسه «غاليري» يعرض عدداً من لوحات خالد وتخطيطاته، وبعض الرسائل المتبادلة بينه وبين سعد. الجانب التوثيقي يتسم بتضمين الكتاب صوراً لكتابات أو تغطيات صحافية تناولت أعمال خالد الجادر، إضافة إلى المواقف المختلفة إزاء عدد من القضايا، بينها، على سبيل المثال، الخلاف حول عُري المرأة في الفن التشكيلي.

يبقى القول إن هذه المقالة لا يمكن أن تفي حق الدكتور سعد الجادر، لجهة الجهد غير العادي المبذول في وضع كتاب عن شقيقه الفنان الرسام خالد، يتجاوز البعد الذاتي بوصفه كتاباً وضعه أخ عن أخيه، ليستحق اعتباره ضرورة مرجعية لكل مهتم بتاريخ الحركة الفنية في العراق وفي العالم عموماً.

يمكن اقتناء نسخة من الكتاب عبر الرابط التالي  

Available to purchase here


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.