: آخر تحديث

الرقة تشهد أفول الذهب الأبيض!

5
5
5

في الرقة، حيث كان القطن يُنسج في الذاكرة كما يُنسج في الحقول، لم يكن "الذهب الأبيض" مجرد محصول زراعي، بل كان مرآةً لعلاقة الإنسان بأرضه، وصدىً لصبره الطويل، وامتدادًا لكرامته التي تنبت مع كل موسم. هناك، حيث تتعانق سنابل القمح مع خيوط القطن، وتتمايل الحقول بين الأصفر والأبيض، تشكلت عبر عقود هوية زراعية عميقة، جعلت من الأرض كائنًا حيًا، ومن الفلاح شريكًا في خلق الحياة، لا مجرد عامل فيها.

غير أن هذه العلاقة الحميمة بدأت تتآكل بصمت، كما يتآكل الخشب من الداخل دون أن يظهر ذلك للعين في أول الأمر. فالتراجع الحاد في زراعة القطن لم يكن حدثًا عابرًا أو تحولًا تقنيًا بسيطًا، بل كان انكسارًا بطيئًا في وجدان الفلاح، واهتزازًا في ثقته بما كان يُعده يومًا ركيزةً لحياته واستقراره.

الفلاح الذي كان يزرع أربعة هكتارات من القطن، لم يعد يرى في هذه المساحة سوى عبء ثقيل ينوء به، فاختار أن يختزلها إلى هكتار واحد، لا عن قناعة، بل عن اضطرار يشبه الانسحاب الهادئ من معركة خاسرة. لم يعد القطن وعدًا بالمستقبل، بل صار مخاطرةً مكلفة، تستنزف الجهد والمال دون ضمانٍ للنجاة. ومع كل موسم، تتراكم الخسارات في ذاكرته، فتتحول الأرض التي كانت مصدر أمل، إلى مساحة قلقٍ مفتوح.

وفي شهادة مزارع آخر، تتجلى صورة هذا التحول بوضوح أكثر قسوة. ثلاثون دونمًا من الأرض، كانت يومًا مكسوة بالقطن، أصبحت الآن مهيأة لمحاصيل أخرى أقل مخاطرة، وإن كانت أقل رمزية. الذرة الصفراء وفول الصويا لم يحلا محل القطن فقط، بل حلا محل شعورٍ كامل بالانتماء إلى دورة زراعية عريقة. لقد تغير القرار الزراعي، لكن ما تغير أعمق من ذلك هو المزاج النفسي للفلاح، الذي لم يعد يحتمل مغامرة محصول يحتاج إلى رعاية مضاعفة في زمنٍ شحيح.

التكاليف الباهظة التي وصلت إلى نحو 150 دولارًا للدونم الواحد لم تكن مجرد أرقام، بل كانت جدارًا صلبًا يفصل الفلاح عن أرضه. اليد العاملة، والحراثة، والأسمدة، والمبيدات، كلها عناصر لم تعد أدوات إنتاج، بل تحولت إلى أثقال تُقاس بها الخسارة قبل أن يبدأ الموسم. ومع غياب الدعم، وانعدام منظومة تسويق عادلة، أصبح القطن مشروعًا فرديًا في بيئة لا ترحم الفرد.

إن تراجع زراعة القطن بنسبة تقارب 80 بالمئة ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو إنذارٌ عميق بانهيار توازنٍ زراعي كان يحفظ للمنطقة تنوعها واستقرارها. فالدورة الزراعية، التي تقوم على التكامل بين المحاصيل، بدأت تختل، ومعها يختل النظام البيئي والاجتماعي المرتبط بها. القطن لم يكن فقط محصولًا صيفيًا، بل كان جزءًا من منظومة معيشية متكاملة، يشارك فيها الفلاح والعامل والتاجر والصانع.

وعندما نعود إلى تاريخ القطن في الرقة، نجد أن جذوره تمتد إلى الستينيات من القرن الماضي، حيث بدأ يتسلل تدريجيًا إلى الحقول، قبل أن يبلغ ذروة ازدهاره في التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة. آنذاك، كانت هناك رؤية واضحة، وخطة زراعية متماسكة، ودعم مؤسسي يجعل من القطن ركيزة اقتصادية حقيقية. كانت المياه متوفرة، وشبكات الري تعمل بكفاءة، والبذور محسنة، والأسعار مدروسة بما يضمن استمرارية الإنتاج.

لكن مع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011، بدأ هذا البناء يتفكك. غابت الإدارة المتخصصة، وتراجعت الخبرات، وتضررت البنية التحتية، فتسلل الإهمال إلى الحقول كما يتسلل الجفاف إلى التربة. لم يعد هناك اهتمام حقيقي بالقطن، بالرغم من أنه ظل يحمل إمكانات اقتصادية هائلة.

الأصناف الزراعية بدورها لم تسلم من هذا الاضطراب. فالبذور المحسنة لم تعد متوفرة، ودخلت إلى السوق أصناف مجهولة المصدر، بعضها مقاوم للآفات لكنه هش أمام الحرارة، وبعضها غزير الإنتاج لكنه شره للمياه. "القطن المُر" مثال صارخ على هذا التناقض: إنتاجية مرتفعة تقابلها هشاشة بيئية، ومقاومة حشرية تقابلها حساسية مناخية. وكأن الفلاح بات يختار بين خسارتين، لا بين خيارين.

أما المياه، التي كانت يومًا شريان الحياة في الرقة، فقد أصبحت عنصرًا نادرًا وغير منتظم. تضررت قنوات الري، وتراجع المخزون المائي، فأصبح القطن، الذي يحتاج إلى انتظام دقيق في الري، ضحية مباشرة لهذا الخلل. ومع ارتفاع تكاليف الجني، التي تشكل نحو 20 بالمئة من إجمالي التكلفة، يكتمل المشهد القاتم الذي يدفع الفلاح إلى العزوف.

لكن ما يزيد من عمق الأزمة هو ذلك الشعور العام بـ"الضبابية" في إدارة القطاع الزراعي. غياب الخطط الواضحة، وتأخر التراخيص، وانعدام التوجيه، كلها عوامل تخلق حالة من اللايقين، تجعل الفلاح يتخذ قراراته في فراغ. إنه لا يهرب من القطن فقط، بل يهرب من غياب الرؤية.

وبالرغم من كل ذلك، تظل هناك محاولات لإحياء هذا القطاع، وخطط لإعادة القطن إلى مكانته، عبر تحسين الإنتاجية، وتطوير أساليب الري، واستنباط أصناف جديدة. لكن هذه الجهود، مهما كانت جادة، لن تنجح ما لم تُرمم العلاقة المكسورة بين الفلاح والأرض، وما لم يُستعد الإحساس بأن الزراعة ليست مقامرة، بل شراكة عادلة.

ويبقى أن نقول إنه لا يمكن فهم تراجع القطن في الرقة بوصفه مجرد تحول زراعي، بل يجب قراءته كحكاية إنسانية عن الفقد، وعن انكسار الثقة، وعن ذلك الصراع الصامت بين البقاء والانسحاب. فحين يترك الفلاح محصولًا كان يومًا جزءًا من روحه، فإننا لا نخسر محصولًا فحسب، بل نخسر معنىً كاملًا من معاني الارتباط بالأرض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.