تُعتبر المواجهة الدائرة حاليًا بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، صراعًا متعدد الأبعاد: عسكريًا، واستخباراتيًا، واقتصاديًا، وفي مجال صراع الوعي. وبالرغم من أنه من المبكر تحديد نتيجة نهائية له بعد مرور نحو شهر عليه، إلا أنه يمكن بالفعل رسم ميزان قوى مرحلي، وفحص ما تحقق من أهداف الحرب وما يزال بعيد المنال.
لقد تمثل الهدف المركزي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، أولًا وقبل كل شيء، في تدمير المشروع النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، واستهداف البنى التحتية العسكرية للنظام، وبالتالي زعزعته سعيًا إلى سقوطه. وبحسب ما يتوفر من معلومات حتى الآن، فقد أصابت الضربات الجوية والعمليات النوعية الأميركية والإسرائيلية منشآت استراتيجية ومنظومات القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري. كما تضررت أجزاء لا يُستهان بها من منظومات الصواريخ والطائرات المسيَّرة التي شكلت ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الإيرانية. وإذا كان حجم الضرر قريبًا مما يتم تداوله، فإننا نتحدث عن إعاقة كبيرة لقدرة إيران على بسط نفوذها الإقليمي.
ويتمثل إنجاز آخر بالنسبة إلى إسرائيل في توجيه ضربات لمنظومة الوكلاء الإقليميين لإيران، حيث تلقت تنظيمات مثل "حزب الله" و"حماس" ضربات قاسية في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى القوة البشرية أو البنى التحتية، مما أدى إلى تصدع استراتيجية "حلقة النار" التي حاولت إيران بناءها حول إسرائيل. ومع ذلك، فإن المعركة ضد هذه الأذرع لا تزال مستمرة، ولم تصل بعد إلى مرحلة الحسم المطلق، وهي تدور حاليًا حول تحييد القدرات الصاروخية لحزب الله في لبنان.
ولكن، وبالرغم مما قيل آنفًا، لم تتحقق كافة الأهداف، فأولًا، يبدو أن النظام الإيراني لا يزال مستقرًا، بالرغم من تصفية العديد من أقطابه. وبالرغم من تضرر البنى التحتية وصورة الردع، إلا أن المنظومة السياسية والأمنية في طهران لا تزال فعالة. ثانيًا، لا يزال من غير الواضح مدى الضرر الفعلي الذي لحق بالبرنامج النووي، إذ تعلمنا تجارب الماضي أن المنشآت يمكن إعادة بنائها، بل ونقلها أحيانًا إلى مواقع أكثر تحصينًا، كما أن هناك كمية تبلغ نحو 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب لدرجة 60 بالمئة لا يزال مصيرها غامضًا. ثالثًا، استمرار إيران في إطلاق صواريخ ومسيَّرات نحو إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، يؤدي إلى زعزعة الشعور بالأمن الإقليمي، ويشير إلى أن قدراتها لم يتم تحييدها بالكامل.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنجازاتها جزئية فقط، فقد نجحت واشنطن في إظهار التزامها تجاه حلفائها، لكنها لا تزال مطالبة بالعمل لضمان حرية الملاحة في الممرات الاستراتيجية، لا سيما مضيق هرمز، كما أنها لم تفلح بعد في إقناع دول أخرى من حلفائها بالانضمام إلى المعركة. وفي هذا السياق، نجحت إيران إلى حد ما في هز استقرار سوق الطاقة العالمي من خلال الحصار المفروض على مضيق هرمز، لكنه يظل إنجازًا مؤقتًا ومحدودًا قد يُرفع قريبًا بالقوة.
من وجهة نظر إيران، يُعتبر مجرد بقاء النظام والقدرة على مواصلة ممارسة الضغوط الإقليمية إنجازًا في حد ذاته. ومع ذلك، فإن الثمن الاقتصادي، وتضرر البنى التحتية، والعزلة الدولية، أدت جميعها إلى تعميق نقاط الضعف الداخلية.
ومن هنا وصاعدًا، تبرز أمام الأطراف عدة خيارات واقعية:
أولاً: استمرار حرب الاستنزاف: من خلال ضربات موضعية، وحرب سيبرانية، وعمليات سرية. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور، لأنه يتيح لكافة الأطراف تجنب التصعيد الشامل مع محاولة تحسين شروط التفاوض.
ثانياً: تصعيد أوسع: يشمل هجومًا مباشرًا إضافيًا على بنى تحتية استراتيجية في إيران. هذا السيناريو قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة ويدخل أطرافًا جديدة في الصراع، لذا تحاول الولايات المتحدة تجنبه حتى الآن، بينما تراه إسرائيل الخيار الأفضل لحسم المعركة، مما يجعله احتمالًا قائمًا.
ثالثاً: العودة إلى مسار دبلوماسي جديد: قد يشمل قيودًا متجددة وأكثر صرامة على البرنامج النووي الإيراني مقابل تسهيلات اقتصادية، إلا أن الفجوات بين الأطراف تبدو حاليًا أكبر من أن تسمح بتحقيقه في المستقبل القريب.
وخلاصة القول، يشير ميزان القوى المرحلي إلى تحقيق العديد من الإنجازات التكتيكية لإسرائيل والولايات المتحدة، لكنه لم يصل بعد إلى حسم استراتيجي. لقد تضررت القيادة والبنى التحتية في إيران، لكنها لم تُهزم، وتعزز التفوق العسكري ضدها بشكل كبير، إلا أن الصراع المسلح نفسه يبدو بعيدًا عن النهاية. لذا، نحن بصدد مراقبة أي من هذه السيناريوهات ستميل إليه التطورات في الفترة القادمة، وسط مؤشرات تؤكد أن نهاية هذه المعركة لا تلوح بعد في الأفق.


