ثمة ناموس سياسي أزلي تعتمده السلطات في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهو تسليط الضوء على "الحقائق" التي تناسب النظام، وتُدفن الحقائق التي تهدده. ويُعدّ ذلك الناموس، من وجهة نظر البراغماتية السياسية في سياق السلطة ومقتضياتها، مهارةً سياسية، أما من وجهة نظر رواد الأبعاد الوطنية والإنسانية فهو خيانة، لأنه تدليس حقائق، وإعلاء ما تحتاج السلطة إليه من تمكين سياستها وإنجازاتها على حساب الحقيقة التي يحتاج إليها الوطن في سياق بنائه الحضاري.
تقوم هذه السياسة على مبدأ أن "المعرفة ليست بريئة، والجهل ليس عفويًا". وتشكل هذه الرؤية، التي تبدو في ظاهرها نقضًا لمفهوم السلطات الديمقراطية، مدخلاً لأفكار روبرت بروكتور، ولوندا شيبنجر اللذين صاغاها في نظرية أطلقا عليها "صناعة الجهل وتفكيكه" في فلسفة حاكمية الدول الديمقراطية المتقدمة. وهذه النظرية التي أعدّاها في كتاب، ترى أن "الجهل ليس نقصًا، بل هو منتج اجتماعي وثقافي منظم" يُصنَّع وفق أحدث آليات التكنولوجيا الحديثة، وهي صناعة تُوظَّف في يد السلطة، وتجعلها سلاحًا ناعمًا. وقد أشار المؤلفان إلى أن الحاكمية تنتقل من الفلسفة إلى السياسة في جعل الجهل صناعة حضارية.
نقل سياسيو الدول المتقدمة الجهل من معناه المرتبط بالظلام والبدائية والتخلف إلى جهل يُدار بذكاء، يُبنى على استراتيجيات عميقة. ويستدل المؤلفان على أركان نظريتهما بأمثلة من السياسة الواقعية التي تجسدت بأحداث منجزة، فلم يغرق المؤلفان في الفلسفة، بل جعلا الواقعية تؤكد فلسفة مقولتهما، صناعة الجهل. من تلك الأمثلة أن "شركات التبغ موّلت أبحاثًا علمية لتؤكد أن "العلم لم يثبت بعد أن التدخين يسبب السرطان". وبتلك الأبحاث هزّت السياسةُ الحقيقةَ العلميةَ بقذفها في بحر الشك بالنظريات العلمية الخالصة لعلميتها.
ومن الأمثلة الأخرى أن شركات النفط قامت بالأمر نفسه مع أزمة المناخ، فروّجت لعلماء أنكروا التغيّر البيئي الذي يؤديه التلوث النفطي، بهدف تقديم الحقائق العلمية على أنها نظريات ذات خلاف علمي لا تملك الحقيقة.
دعمت هذه السياسة، لتمكين صناعة الجهل، رقابةً سياسيةً وفضاءً إعلاميًا انتقائيًا يكرّس هدف السياسة المعتمدة على صناعة الجهل لمصالحها السياسية. فعملت هذه السياسة على فرض "الهيمنة المعرفية الغربية"، وسعت، بالوقت عينه، إلى حجب معارف الشعوب الأصلية لقرون، وعدّتها "أسطورية" أو "بدائية"، لتجهضها وتمكّن هيمنتها.
وقد ميّزت هذه النظرية بين ثلاثة أنواع دقيقة من الجهل، أولها "الجهل الطبيعي"، وينتج من "محدودية إدراك الإنسان لأسرار الطبيعة". وثانيها "الجهل الانتقائي"، ويكمن في "تجاهل مقصود لمعارف لا تناسب الأيديولوجيا أو العرف". وثالثها "الجهل الاستراتيجي"، وينتج بتمويل وتخطيط مؤسساتي، مثل "التلاعب العلمي في الصناعات الغذائية والدوائية، ويُدعم بحملات سياسية". وكما يقول المؤلفان، فهذا الجهل هو الأخطر "لأنه يُصنع بضوءٍ مزيف".
وتقوم صناعة الجهل على "بناء أطر فلسفية واجتماعية لشرح ظاهرة ما يسمى الجهل الأبيض (العنصري)، اعتمادًا على إعلام يعمل على صناعة التوازن الزائف، ويكرس الجهل المؤسسي البنيوي".
في الحقيقة، تُظهر هذه النظرية أن مقولاتها تجسد "صرخة فلسفية في وجه عصر التضليل المنظَّم".
ولم يكتفِ أصحاب هذه النظرية بتقديم أنساق تحليلية تشخّص هذه الظاهرة السياسية المضللة، بل اقترحوا جملة طرق عملية لمجابهة هذه "الصناعة الخفية" التي تتحكم في بنائها قوى المصالح العالمية الجشعة، وحددوها بالنقاط الآتية:
• تعليم التفكير النقدي في المدارس والجامعات.
• الشفافية في تمويل الأبحاث العلمية.
• فتح الأرشيفات التاريخية أمام العامة.
• دعم الإعلام المستقل ومبادرات المعرفة المفتوحة.
• كشف اللغة التي تُجمِّل القبح وتخفي المسؤولية.
ويختم أصحاب هذه النظرية أن فاعليتها تكمن في بناء وعي يدرك أن "الحرب اليوم ليست فقط على ما نعرف، بل على حقنا في أن نعرف". وتجسد هذه المقولة الخطر الذي يهدد الإنسانية برمتها، فهي تجعل الشعوب تسير معماة في أنساق سياسات تضليلية على حساب الإنسان وحضارته النقية. فالحرب الخفية دائمة الانتصار على الإنسان، لأنه لا يعرف جبهاتها وأدواتها وأهدافها، وتخفيها خيانة مرفوعة الرأس لأنها تملك إعلامًا يمجد صناعة الجهل، ويظهرها بأدوات فتوحات اقتصادية وعلمية تخدم البشرية، بينما هي براغماتية سياسية تمجد وحش الاقتصاد الجشع وتقدمه بأجنحة ملائكة إنسانية.


