: آخر تحديث

بين لعنة الشيطان وملاذ الإقامة: انفصام المحوِّر في أميركا

4
3
3

لم يكن إلقاء السلطات الفيدرالية الأميركية القبض على ابنة شقيق وحفيدة شقيق القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، بعد إلغاء إقامتهما الدائمة القانونية، وإبعاد ابنة علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، خبرين عابرين. وقد تخرج بعض المزايدات الحقوقية التي تنتقد أميركا على هذا الإجراء، ولكن مهلًا، ماذا تفعل ابنة لاريجاني وقريبتا سليماني في الولايات المتحدة؟ أليست أميركا "الشيطان الأكبر" بالنسبة إلى نظام طهران ووكلائه؟

لا بد من التذكير أولًا بمن هما قاسم سليماني الذي قتلته الولايات المتحدة الأميركية بطائرة مسيَّرة من دون طيار عام 2020، وعلي لاريجاني الذي قُتل بغارة إسرائيلية في الحرب الأميركية - الإسرائيلية الحالية على إيران.

ولفهم ازدواجية المعايير، فقاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، يُعتبر العقل المدبِّر للعمليات العسكرية والاستخباراتية الإيرانية خارج الحدود، والمهندس الأول لشبكة الفصائل المسلحة في المنطقة.

أما علي لاريجاني، فكان مسؤولًا رفيع المستوى في إيران لعدة عقود، والحاكم الفعلي للبلاد بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي نهاية شباط (فبراير) الفائت حتى وفاته هو منتصف آذار (مارس). وقد شغل موقعًا فريدًا للقيادة داخل النظام المحاصر، بفضل الروابط العائلية الوثيقة لأسرته مع المؤسسة الدينية، وعلاقاته الشخصية القوية مع الحرس الثوري الإيراني والنخبة السياسية.

خبر إقامة قريبات لاريجاني وسليماني في الولايات المتحدة، ومع أنه كان غريبًا للوهلة الأولى، فإنه أعادني بالذاكرة إلى مطلع عام 2010. يومها كنت في السفارة الأميركية في عوكر بانتظار أخذ فيزا طلابية. لفتني أن معظم الذين في الصالة سيدات باللباس الديني لبيئة حزب الله، صرت أنظر إليهن وفي رأسي تتردد شعارات مناصري حزب الله "الموت لأميركا" و"أميركا الشيطان الأكبر".

قد لا يكون من رأيتُهم في تلك القاعة ممن يرددون الهتافات في الساحات، ولكن المشهد في كليته يعكس مفارقة صارخة، بيئة سياسية تُعبَّأ ليل نهار ضد ما يصفونها بـ "الشيطان الأكبر"، بينما يسعى أفرادها، أو حتى قياداتها، إلى تأمين مستقبلهم في أحضانها. ورحت أفكر، كيف يمكن لهذه المنظومة أن تجاهر بشيء، وتفعل نقيضه؟ فإذا كانت أميركا هي "العدو"، فلماذا يهرعون إليها، ويسعون لنيل جنسيتها، ويعيشون من خيراتها؟

من حق أي إنسان أن يتبنى الموقف السياسي بما يرتئيه، ولكن الأخلاق تقتضي ألَّا يُرمى حجرٌ في بئرٍ شُرب منها، فمن يختار لعن أميركا بالشعارات، عليه، أخلاقيًا على الأقل، أن يطابق قوله بفعله.

إذا أردنا أن نتحدث بلغة الأرقام، فالتقديرات تشير إلى أن ما قد يصل إلى 82 ألف لبناني أميركي يعيشون في ولاية ميشيغان، وغالبيتهم من الجنوب اللبناني، وتحديدًا البيئة الحاضنة لحزب الله. هذه الولاية التي إذا قصدتها، لتحققت مما يقولونه لك بأنها أشبه بالضاحية الجنوبية لبيروت، ففيها تجد الأفران ومحلات البقالة والحلويات العربية، والناس فيها يحدثونك بالعربية، وحتى يافطات المحلات كُتبت باللغة العربية.

أما في ما يخص الجالية الإيرانية في أميركا، فيشير تقرير حديث لمركز بيو للأبحاث في العاصمة الأميركية واشنطن، إلى أنها أكبر جالية قادمة من الشرق الأوسط.

ونعم، تزايدت هجرة الإيرانيين إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد سقوط نظام الشاه عام 1980، ومن بينها الكثير من المعارضين لنظام الملالي الذين تعرضوا للاضطهاد ويخافون العودة إلى بلادهم، ولكن هناك أيضًا ممن هم من أتباع نظام طهران، مثل ابنة لاريجاني وقريبتي سليماني.

ومن يدري، قد يكون الحرس الثوري أيضًا متغلغلًا في أميركا على غرار كندا، التي كشف تقرير لصحيفة نيويورك بوست نهاية آذار (مارس)، أنه قد يكون مزروعًا فيها نحو 1000 عنصر سابق في الحرس الثوري الإيراني!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.