: آخر تحديث

​​​​​​​كيف روى الإعلام العربي حربًا لم يصنع خبرها؟

4
4
4

لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد اختبار للقوة العسكرية أو توازنات الردع، بل كانت أيضًا اختبارًا عميقًا لقدرة الإعلام العربي على إنتاج روايته الخاصة. ففي اللحظات الأولى لانفجار الأحداث، بدا واضحًا أن الخبر لا يولد في غرف الأخبار العربية، بل يصل إليها محمولًا من الخارج، عبر وكالات دولية مثل رويترز وشبكات الإعلام الغربي، أو عبر البيانات الرسمية الصادرة من واشنطن وتل أبيب وطهران. ومن هناك تبدأ رحلة إعادة الصياغة: ترجمة، وترتيب، وتأطير، ثم بثٌّ مكثف يملأ الشاشات ويصنع الإحساس بالحضور، حتى لو كان المصدر الأولي بعيدًا.

هذه البنية لم تكن مجرد خيار مهني، بل انعكاسًا لواقع حرب مغلقة إعلاميًّا، فإيران، التي كانت مسرحًا أساسيًّا للأحداث، شهدت تضييقًا شديدًا على تدفق المعلومات، وانقطاعات في الاتصال، وقيودًا على الصحفيين، ما جعل الوصول إلى "الخبر الخام" مهمة شبه مستحيلة. في مثل هذا السياق، يصبح الاعتماد على الوكالات الدولية أمرًا يكاد يكون حتميًّا، ويتحوّل الإعلام العربي إلى ما يشبه "غرفة تفسير" أكثر منه "غرفة إنتاج". فهو لا يكتشف الحدث بقدر ما يشرح تداعياته، ولا يصنع المعلومة بقدر ما يعيد توزيعها ضمن سياق عربي.

ولعل أبرز ما ميّز التغطية أيضًا هو حالة "الاستنفار الإعلامي" التي شهدتها القنوات الإخبارية العربية الكبرى، حيث تحولت شاشات مثل قناة الجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية والشرق للأخبار إلى بثٍّ شبه متواصل مخصص للحرب، مع نشرات مفتوحة، وخرائط تفاعلية، وشاشات مقسّمة تربط بين أكثر من عاصمة وميدان في الوقت نفسه. هذا التفرغ لم يكن مجرد تكثيف زمني، بل إعادة هيكلة كاملة للمحتوى، حيث تراجعت الموضوعات الأخرى لصالح متابعة التطورات العسكرية والسياسية لحظة بلحظة، وتحولت الاستوديوهات إلى غرف عمليات تحليلية تستضيف خبراء عسكريين واستراتيجيين بشكل شبه دائم.

غير أن هذا الحضور الكثيف كشف أيضًا عن الفروق التحريرية بين هذه القنوات، فبينما ركزت بعض المنصات على البعد الجيوسياسي الواسع للحرب وربطته بالتوازنات الدولية وأسواق الطاقة، ذهبت أخرى إلى إبراز الزاوية الأمنية الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بتهديد الملاحة والمنشآت في الخليج. وفي المقابل، ظهرت اختلافات واضحة في طريقة التعامل مع الضربات المتبادلة، حيث بدت بعض الشاشات أكثر ميلًا لإبراز أثر الضربات الإيرانية داخل إسرائيل، فيما فضّلت أخرى التركيز على خطورة التصعيد الإيراني وتداعياته على استقرار المنطقة. هذا التباين لم يكن تفصيلًا تقنيًّا، بل يعكس اختلافًا في زاوية النظر إلى الحرب نفسها، وفي تعريف من هو "مركز القصة" ومن هو "الهامش".

وفي خضم هذا الزخم، برزت ظاهرة لافتة لا تقل أهمية عن مسألة المصادر، وهي أن بعض القنوات العربية لم تكتفِ بدور الناقل أو المفسّر، بل اقتربت من موقع المتعاطف أو المتموضع. فقد أظهرت في بعض اللحظات قدرًا من التعاطف مع الضربات الإيرانية التي أصابت إسرائيل، ليس بالضرورة عبر تبنّي خطاب مباشر، بل من خلال إبراز آثار تلك الضربات في العناوين والصور، ومنحها مساحة زمنية وبصرية لافتة، إلى جانب استضافة أو نقل تصريحات قادة الميليشيات والقوى المرتبطة بإيران بوصفها جزءًا من "مشهد الرد". في هذه اللحظة، لم تعد الشاشة مجرد وسيط، بل أصبحت ساحة لإعادة إنتاج رمزية "إصابة إسرائيل" بوصفها حدثًا يتجاوز معناه العسكري إلى دلالته السياسية والنفسية.

غير أن هذا الميل لم يكن عامًّا. ففي مقابل هذه النبرة، ظهرت تغطيات أخرى، خصوصًا في بعض الإعلام الخليجي، تميل إلى التشديد على خطورة السلوك الإيراني، وتركّز على تهديد السيادة والأمن الإقليمي، وترفض منطق الميليشيات بوصفه فاعلًا خارج الدولة. وبين هذين الاتجاهين، يمكن قراءة الإعلام العربي لا ككتلة واحدة، بل كمجال تتصارع داخله روايات متعددة، تتشكل وفق موقع كل مؤسسة، وسياقها السياسي، وجمهورها المستهدف.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: من يصنع الأجندة؟ ففي كثير من الأحيان، بدا أن الأسئلة الكبرى التي ناقشها الإعلام العربي لم تُولد داخله، بل جاءت جاهزة من الخطاب الأميركي أو الإسرائيلي: هل سترد إيران؟ هل تنجح الضربات في كسرها؟ هل يُغلق مضيق هرمز؟ وعندما تُطرح الأسئلة بهذه الصيغة، فإن النقاش كله يتحرك داخل إطار محدد مسبقًا، حتى وإن اختلفت الإجابات. وهنا تكمن إحدى أعمق إشكاليات التغطية: ليس فقط في نقل الرواية، بل في تبنّي الأسئلة التي تنتجها تلك الرواية.

أما على مستوى اللغة، فقد حافظت معظم التغطيات على مظهر حيادي، مستخدمة مفردات مثل "تصعيد" و"تبادل ضربات" و"ردود"، لكن هذا الحياد الظاهري أخفى أحيانًا انحيازًا في ترتيب الأولويات: أي خبر يُقدَّم أولًا، وأي خسائر تُبرز، وأي أصوات تُمنح شرعية الظهور. فاللغة هنا لا تعمل فقط كأداة وصف، بل كآلية تنظيم للواقع، تحدد ما يُرى وما يُهمَل.

يمكن القول إن الإعلام العربي كان حاضرًا بقوة على مستوى البث والتغطية المستمرة، لكنه كان أقل حضورًا على مستوى إنتاج الحقيقة الأولية. لقد أتقن الشرح، وأحيانًا بالغ في التحليل، ونجح في خلق حالة متابعة واسعة، لكنه بقي في كثير من اللحظات أسير مصادر خارجية أو رسمية، سواء في المعلومة أو في صياغة السؤال. وبين الاعتماد على الوكالات، وتعدد السرديات، وظهور نبرات التعاطف أو التموقع، تكشف هذه الحرب أن التحدي الحقيقي للإعلام العربي لا يكمن فقط في نقل ما يحدث، بل في امتلاك القدرة على تعريف ما يحدث من زاوية مستقلة، وصياغة أجندته الخاصة، لا الاكتفاء بالتحرك داخل أجندات الآخرين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.