1. المدينة - الكائن الذكي والمحرك الخفي
لماذا يتجمع أفضل الأطباء، والشركات المبدعة، وأكثر الشباب طموحًا في مدن بعينها، حتى مع توفر تقنيات تتيح التواصل عبر آلاف الأميال؟ الإجابة ليست في البنية التحتية وحدها، بل في شيء أعمق وأقدم: "القرب قوة" (proximity is power).
عند التجول في أزقة المدن التاريخية مثل التي أُعيد إحياؤها بنجاح في المملكة، كالدرعية، وجدة، والعلا، يستشعر الزائر تدريجيًا الراحة الحرارية الناتجة عن الانتقال بين الفراغات، من ساحة مشمسة إلى ممر مظلل يوجّه نسيم الهواء بعناية، استجابةً لزوايا الشمس، واتجاه الرياح، وارتفاعات الجدران، وموادها. لم يكن هذا مجرد إبداع معماري. كان اقتصادًا! فهذه الأزقة المتراصة لم تُصمَّم للحماية من المناخ فحسب، بل لتعظيم التفاعل الإنساني وتكثيفه. السوق لم يكن مكانًا للبيع والشراء فحسب — كان مركز الأعمال ووادي السيليكون في عصره. الصائغ بجوار تاجر الأقمشة بجوار العالم. المعلومات تنتقل بسرعة المصافحة وبأساليب التواصل غير المرئي. ما يسميه الاقتصاديون اليوم "احتكاك المسافة" كان معدومًا. وفي التأمل العميق في هذه الأزقة، أعتقد أن النظرة العميقة للمدن التاريخية تظهر بين طياتها ما يمكن تسميته مجازًا بـ"سر الثراء والازدهار الحقيقي للمدينة".
يسمى هذا السر في اقتصاديات العمران (Urban Economics): التكتل/التجمع/التقارب (Agglomeration) — وهو مصطلح منمق يعني، باختصار، أن القرب قوة. عندما يتواجد عدد كبير من الأشخاص المهرة والنشطين اقتصاديًا في مكان واحد مكتظ، يحدث شيء لا يمكن تكراره في أي مكان آخر. تنتشر الأفكار بسرعة أكبر. تتشكل الشراكات تلقائيًا. تنتقل المعرفة بسلاسة. لا شيء من هذا مخطط له بدقة، ولا يظهر في أي ميزانية. لكنه يُنتج ناتجًا اقتصاديًا — من براءات اختراع، وشركات مُنشأة، وصفقات مُبرمة — يتجاوز بكثير ما يمكن أن ينتجه هؤلاء منفردين. مضاعفة التعداد السكاني في مدينة بضعف واحد يرفع إنتاجيتها بنسبة 15 بالمئة — ليس بسبب البنية التحتية، بل بسبب تراكم التفاعلات البشرية.
المدينة هي أذكى اختراعات الإنسان. كائن حي يتصحح ذاتيًا حين يُتاح له ذلك. وهي في جوهرها نموذج تنموي ناجح — إذا أُتيحت له إمكانية التكتل والتبادل والتقارب واستيعاب الطاقات البشرية بشكل سليم. إن المدينة المكتظة بالسكان، بالرغم من تحدياتها، هي مدينة غنية لأنها تزيد من عدد "التفاعلات الاقتصادية" التي يمكن أن تحدث في اليوم. معالجة مشاكل المدينة المكتظة أقل تكلفة من خلق مدينة غنية بعدد بسيط من البشر.
2. التكلفة الحقيقية لاضطراب البنية التحتية - إضعاف التكتل
في ما يقارب أربعًا وعشرين ساعة خلال الأسبوع الأول من شهر نيسان (أبريل) 2026، توالت أخبار اضطرابات في البنية التحتية لدول مختلفة في ثلاث قارات في آنٍ واحد: انقطاعات للتيار الكهربائي في الكويت جراء استهداف محطتي توليد بطائرات مسيّرة، وزيادة 25 بالمئة في أسعار الطاقة في تركيا، وإجراءات ترشيدية تضمنت قطع التيار في مناطق بعينها، وتقليصًا لأيام العمل الأسبوعي في دول أخرى — وكل ذلك امتداد لتبعات المركزية المطلقة في توليد الطاقة وتوزيعها.
كيف تبدو المدينة التي تولّد أجزاؤها المختلفة طاقتها مباشرة من الشمس، ولا تتأثر بالانقطاعات المركزية؟ مدارسها تعمل، وأعمالها مستمرة، واقتصادها يُنتج ناتجه المحلي دون توقف. تكتلها يعمل بطاقته القصوى. هذه المدينة هي ما يدور حوله هذا المقال.
الحروب وأعطال البنية التحتية لا تدمر المدن بتخريب مبانيها. إنها تدمرها بهدم مقومات الحركة الاقتصادية فيها. التكلفة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن في إعادة بناء ما تضرر، بل في خسارة التكتل — شبكة التفاعل الإنساني التي تدعمها البنية التحتية. كل شخص يبقى في المدينة يُثري إنتاجية من حوله. وكل شخص يغادرها يضعف الإنتاجية العامة — لا بالطرح، بل بالقسمة!
لعل التوجهات الاقتصادية التنويعية الراهنة في دول الخليج — السياحة والاقتصاد المعرفي والخدمات المالية — هي بطبيعتها أكثر حساسيةً للتكتل (agglomeration-sensitive) من اقتصاد البترول. زيادة أسعار الطاقة أو تطبيق العمل عن بعد يؤثران على هذه القطاعات بقوة أكبر، وبسرعة أعلى، مما يؤثران على قطاعات لا تتطلب التفاعل الإنساني المباشر. لذا، فحماية التكتل مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بأهداف حماية الناتج المحلي وتنميته.
تحدي مركزية توليد الطاقة هو، في جوهره، مسألة فيزياء لا مسألة إدارة. تركيز المورد في نقطة واحدة يعني أن أي خلل سينتقل فورًا إلى كافة الأطراف التابعة دون استثناء، بصرف النظر عن كفاءتها المنفردة. لذا لا يتمثل النجاح الاستراتيجي في تعزيز حماية العقد المركزية (central nodes) وحدها، بل في 1) تقليص عدد المعتمدين عليها، 2) ودعم التوليد المحلي في الموقع (on-site local generation)، إيمانًا بتأثيره الاستراتيجي على الاقتصاد الحضري. والمملكة تمتلك من الإرادة والموارد والمورد الشمسي ما يجعلها في موقع استثنائي لقيادة هذا التحول — على غرار ما حققته من تحولات جوهرية في إطار رؤية 2030.
3. القيمة الحقيقية للاستثمار في توليد الطاقة المحلي
القيمة الحقيقية لتوليد الطاقة غير المركزي تكمن في منح المدينة القدرة على الاستمرار فيما تُبدع فيه — كنظام يُمكّن التكتل ويحافظ على تماسك شبكة التبادل الاقتصادي والفكري. المحافظة على هذه الشبكة هي ما يضمن استمرارية الناتج المحلي وقت الأزمات. ويتميز هذا التوجه بإمكانية تبنيه على مستوى الفرد، والمؤسسة، والدولة في آنٍ واحد.
إطفاء الكهرباء مساءً بغرض ترشيد استهلاك مخزون الوقود — وهو ما بات يُطبَّق في دول عديدة — يؤدي بالتأكيد إلى تداعيات اقتصادية ظاهرة جراء تعطل حركة الأعمال. وهو إجراء طارئ مفهوم، جاء لمعالجة عجز المباني والأحياء عن رفع الضغط عن الشبكات المركزية أو تخفيفه. الوضع الأمثل هو مبانٍ تُولّد طاقتها محليًا من الشمس نهارًا — بالتزامن مع ذروة الأحمال — وتخزّن الفائض في بطاريات لتشغيل الأنشطة مساءً وليلًا. غير أن هذا النموذج التشغيلي يشترط، في المقام الأول، مبانيَ مرشدة للطاقة بامتياز — فلا قيمة للتوليد المحلي إذا كان الطلب يتجاوز ما تستطيع الأسطح المتاحة توليده. وتحقيق ذلك يستدعي تطوير منظومة متقدمة من التعليم والممارسة والتنفيذ الهندسي — تبدأ من التصميم المتكامل القائم على الأداء، وتمر بالتقييم الفعلي العملي للمبنى عند التسليم، ولا تنتهي عند إصدار شهادة الاعتماد، ولا يُغفَل في ذلك دور التشريع والمراقبة.
وكما في صناعة السيارات والطائرات، حيث يتكامل العمل التصميمي الجمالي والفراغي مع الهندسي التقني في منظومة واحدة متسقة — حان الوقت لتحديث معايير جودة المباني والأحياء لتتضمن المرونة والقدرة على الصمود في الظروف الاستثنائية، وفي مقدمتها الطاقة. المبنى الذي لا يصمم لتحقيق استقلاليته في تولد الطاقة هو مبنى غير مكتمل التصميم — تمامًا كسيارة بلا خزان وقود.
حيّ يعمل وفق هذا النظام المتكامل يُبقي محلاته التجارية مفتوحة، ومكاتبه نشطة، ومدارسه وجامعاته تعمل، وفنادقه مريحة، وخدماته الطبية تؤدي مهامها وفق جداولها المعتادة. تدفق تكتله لا يتوقف. ناتجه المحلي لا يتأثر بتأثر الشبكة.
4. الحي المستدام — الوحدة العمرانية للتكتل الاقتصادي على المقياس الإنساني
لم تعد فكرة الحي المستدام اليوم طرحًا بيئيًا رومانسيًا مجردًا. إنه الوحدة العمرانية الأساسية للصمود الاقتصادي. فكما يحمي النظام المتكامل التكتلَ داخل المبنى، يحميه الحي المستدام على مستوى المدينة بأسرها.
الساكن الذي يصل إلى الغذاء، والعمل، والرعاية الصحية، والتواصل الاجتماعي في فترة قصيرة، خمس عشرة دقيقة سيرًا على الأقدام أو بركوب الدراجة، قد أزال اعتماده على الوقود من أساسيات حياته اليومية. اضطرابات سلاسل الإمداد لا تُشلّه. ترشيد الوقود لا يعزله. وانخفاض عتبة البقاء والمغادرة لديه يعني مباشرةً الحفاظ على التكتل — فكل ساكن يبقى يُثري إنتاجية من حوله، وكل ساكن يغادر يُضعفها.
وحين تمتد لامركزية الطاقة لتشمل الغذاء، تتحول أسطح المباني إلى حدائق حضرية مثمرة تندمج في نسيج الحي — يُشارك فيها الأطفال، والمتقاعدون، والمجتمع بأسره، ليصبح كل مبنى منتجًا لا مستهلكًا فحسب. هذا النموذج ليس وليد اليوم — فالمدن التاريخية في المنطقة كانت تُدمج الإنتاج الغذائي في نسيجها العمراني بشكل طبيعي، بوصفه امتدادًا للحكمة الاقتصادية ذاتها التي شكّلت أزقتها وأسواقها. أما الماء، فيكفي الإشارة إلى أن الحي المرن لا يعتمد على مصدر واحد — بل يبني منظومته المائية على طبقات متعددة (مثلاً: أمطار، ومياه جوفية، ومياه معالجة، وتحلية) لا تتعطل بتعطل مصدر منفرد.
الطبقة الثالثة من اللامركزية هي الاتصال، إذ يتيح الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية — المستقل عن البنية التحتية الأرضية — للسكان والشركات البقاء داخل شبكة التكتل حتى في أوقات الاضطراب. العلاقات تستمر. التعاملات لا تتوقف. والتكتل — وإن تراجع جزئيًا — يحافظ على ما يكفي من تماسكه ليُعيد تجميع نفسه حين تستقر الأحوال.
وقد أثبتت تجربة السياحة الخليجية في السنوات الماضية أن أكثر الوجهات زيارةً وأعلاها عائدًا هي الأحياء متعددة الاستخدام القابلة للمشي — حيث الحياة، والإنتاج، والتنقل تتشابك في نسيج واحد. يعني هذا أن الاستثمار في صمود الحي يُهيئ ظروف التنافسية، ويرفع الجودة، ويدعم الاقتصاد — في السلم قبل الأزمة.
5. كلمة أخيرة
المدينة المنتجة ذات الناتج المحلي المرتفع والمدينة القادرة على الصمود الاقتصادي (Resilient City) في أوقات التحديات — هما نفس المدينة.
المدينة التي تتكامل أحياؤها وعناصرها العمرانية لدعم الكيان الأكبر هي التي توفر أقوى مقومات الاستمرار، ببساطة لأنها لا تعتمد على مصدر واحد قابل للتعطل. تكتلها لا يتوقف. تفاعلاتها البشرية لا تنقطع. وناتجها المحلي يزدهر بمعزل عن الشبكة وسلاسل الإمداد.
مكونات هذه المدينة موجودة في المدن السعودية اليوم. هي بحاجة إلى تخطيط تمكيني يُحفّز ويقود ويُفعّل الطاقة الكامنة لكل موقع — مبنى وحيًا ومدينة وإقليمًا — من خلال نسق/نظام (order) متوازن يجعل المرونة الخيارَ الاقتصادي الأكثر عقلانية لكل فرد ومؤسسة ومطوّر. حين يصبح الصمود العمراني (Urban Resilience) الخيار الأرشد اقتصاديًا، يبنيه السوق دون أن يُؤمر به — وحينها يستمر الناتج المحلي الإجمالي في النمو، في السلم وفي وقت الأزمات على حد سواء.


