مع ازدياد حدة الحرب الجارية في المنطقة، فإنَّ الأنظار تتابع باهتمام بالغ جهود الوساطة الجارية من أجل وقف إطلاق النار والعمل على إيجاد اتفاق لإنهائها، فإن هناك سؤالًا مهمًا يلوح في الأفق، وهو: هل إن وقف إطلاق النار واتفاقًا لإنهائها كفيلان باستتباب الأمن والسلام في المنطقة؟
الإجابة بالإيجاب لا يمكن أن تكون وافية إلا بعد أن تأخذ بنظر الاعتبار أوضاع المنطقة قبل اندلاع هذه الحرب في حساباتها، ولا سيما أن الذي مهد الطريق والأسباب الموجبة لاندلاعها هو النظام الإيراني، خصوصًا أنه قد هدد السلام والأمن في المنطقة لأكثر من مرة عن طريق إثارة الحروب والأزمات من خلال وكلائه، إلى جانب أنه أصر على التعنت فيما يتعلق ببرنامجه النووي، ولا سيما من حيث رفعه لمستوى تخصيب اليورانيوم، ناهيك عن صواريخه الباليستية وطائراته المسيّرة التي كان يواظب على تزويد وكلائه في المنطقة بها، وفي ظل هكذا مسائل اندلعت هذه الحرب، وكأن النظام يدعو لها بمنتهى الصراحة ومن دون لف أو دوران.
أيا تكن الظروف والأوضاع التي سيتم بموجبها وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، فإن هناك ملاحظة بالغة الأهمية يجب أخذها بنظر الاعتبار، وهي إن النظام ومهما كانت خسائره ومهما كان حجم الدمار الحاصل في إيران، فإن ذلك لا يهمه طالما يضمن بقاءه، إذ يرى في ذلك انتصارًا له، خصوصًا وهو يعلم جيدًا بأن الشعب الإيراني يكرهه ويرفضه، بل وحتى إنه ينظر إليه كالشيطان ذاته، أما سبب هذا الكره والرفض الشعبي له، فإنه لكون الشعب الإيراني يعلم جيدًا بأن هذا النظام طالما بقي فإنه لن يكف أبدًا عن سياساته المشبوهة، وسيبقى على ما كان عليه منذ أيام خميني.
وعند النظر إلى الظروف والأوضاع التي كانت سائدة عشية اندلاع هذه الحرب، فإن علينا أيضًا أن نأخذ بنظر الاعتبار انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026، التي خرج منها النظام بشق الأنفس بعد أن تمادى في ممارسة القمع إلى حده الأقصى وقام بإبادة الآلاف من المتظاهرين أمام أنظار ومسامع العالم كله، ولو أمعن العالم في النظر إلى هذا الأمر وأخذه بنظر الاعتبار، فإن الذي يجب أن يستخلصه ويستشفه من خلال ذلك هو إن نظامًا يبطش بشعبه هكذا طريقة تعيد إلى الأنظار طرق وأساليب النظم الاستبدادية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، كيف يمكن الاعتداد والوثوق به مستقبلًا لكي يكون عاملًا إيجابيًا في استتباب السلام والأمن في المنطقة والعالم مع الأخذ بنظر الاعتبار إنه، ومنذ 47 عامًا، كان العامل الرئيسي في زعزعتها والعبث بها بكل الطرق والأساليب؟ إن مجرد بقاء النظام يعني بقاء التهديد وبقاء السلام والأمن رهنًا به، ولذلك فإن الحل كان وسيبقى رهنًا بنهايته وليس أي نهاية أخرى، وإن الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية أكدا ويؤكدان بأن نهايته ستكون الضامن الأساسي لاستتباب السلام والأمن في المنطقة والعالم.
وعطفًا على النقاط الجوهرية المذكورة آنفًا، يغدو من الضروري التذكير بجانب من الخطاب الذي ألقته السيدة مريم رجوي عبر الإنترنت، وذلك في إطار دعم الحكومة المؤقتة التي أعلنها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية استنادًا إلى مشروع المواد العشر بتاريخ 5 آذار (مارس) 2026، أمام حشد من الشخصيات السياسية والبرلمانية والقانونية البارزة، حيث قالت: "... أؤكد باسم المقاومة الإيرانية، فيما يتعلق بالحرب الدائرة حول برنامج صنع القنبلة النووية والصاروخية للنظام والمجموعات الوكيلة للحرس، أنه يجب على الأطراف المتنازعة توخي أقصى درجات الحذر لمنع إلحاق أي ضرر بالأرواح والممتلكات للشعب الإيراني والمنشآت المدنية والتعليمية والطبية في البلاد.
في خضم القصف، تتعرض حياة السجناء لخطر داهم. إنني أدعو المجتمع الدولي والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى الضغط على النظام للإفراج الفوري عن جميع السجناء، ولا سيما السجناء السياسيين المحكومين بالإعدام.
وفي الختام، أذكر بأن الشعب الإيراني وحده هو من يملك شرعية تقرير المستقبل السياسي لبلاده. لا يتحقق أي مستقبل لإيران من الخارج. يجب ألا تتكرر التجربة المريرة للانقلاب ضد الحكومة الوطنية للدكتور مصدق. الانقلاب الذي فرض دكتاتورية الحزب الواحد العنيفة على الشعب الإيراني لمدة 25 عامًا، ومهد الطريق لمجيء خميني إلى السلطة في إيران، ووجه أكبر ضربة للديمقراطية في المنطقة.
لقد حان الوقت للاعتراف بنضال الشعب الإيراني ووحدات المقاومة وجيش التحرير ضد قوات الحرس من أجل إسقاط النظام، وإغلاق سفارات هذا النظام التي تُعد أوكارًا للتجسس ومراكز لتصدير الإرهاب.
إنَّ دعم البديل الديمقراطي ليس فقط يعد تضامنًا مع مطلب الشعب الإيراني، بل هو ضرورة لمحاربة الإرهاب وإحلال السلام والهدوء في المنطقة والعالم...".


